اللغة : العربية

عدم ارتياح إسرائيلي لدور مصر في المصالحة

08 تشرين الأول / أكتوبر 2017

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات

من الواضح ان إسرائيل غير مرتاحة - بوصف مخفف - للجهد المصري في جلب الفرقاء الفلسطينيين إلى طاولة الحوار لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة وبسط نفوذ السلطة الفلسطينية على قطاع غزة. وبرغم العلاقات والتنسيق بين مصر وإسرائيل في قضايا كثيرة، من بينها الأمن والسياسات الإقليمية؛ إلا أنه من الطبيعي أن يكون لمصر - كدولة عربية كبيرة - مصالح ليس إنها فقط لا تتقاطع مع إسرائيل، بل وتتناقض معها، ولا سيما في الموضوع الفلسطيني وملف الصراع، فمصر تتطلع للعب دور هام في التسوية السياسية، بحيث يضمن قبولًا فلسطينيًا يؤمنه تحقيق الحد الأدنى من مطالبهم، بينما إسرائيل تعتبر أن أي اقتراب حقيقي من التسوية يشكل تهديدًا لها وانكشافًا لمواقفها.

الرئيس السيسي - الذي يبدو انه استطاع إقناع الرئيس الأمريكي ترامب بأهمية المصالحة الفلسطينية كشرط أولي لابدّ منه للتقدم في مسار التسوية - استطاع أيضًا ان يلجم الدور التخريبي للحكومة الإسرائيلية، لكن لجم الدور التخريبي لا يعني بالنسبة لإسرائيل الاكتفاء بدور المتفرج السلبي لفتره طويلة من الوقت، إلا إن ضمنت أن في ذلك تحقيق لبعض مصالحها، ولا يبدو أنها مطمئنة لذلك، وتقدر بأن المصالحة في حال نجحت ستعزز الفلسطينيين وتعزز طاقات التسوية.

الموقف الإسرائيلي "غير المرتاح" من الدور المصري، يترجم نفسه ويعبر عن حقيقته بشكل تدريجي وغير مباشر، وربما تقرير "الواشنطن بوست" عن التعاون المصري مع كوريا الشمالية وكسرها لقرار حظر التجارة مع كوريا الشمالية وشراء صفقة سلاح تم ضبطها على ظهر سفينة "جي شون" يُعتبر واحدة من ترجمات عدم الارتياح الإسرائيلي. وما لفت انتباهي مقال لألون بن دافيد، المراسل العسكري للقناة العاشرة، تحت عنون "تهديد السلام".

بن دافيد، وبشكل غريب، يبدأ مقاله بالدور المصري في المصالحة، ثم يشكك بنجاحها، وينتقل في نفس المقال للحديث بإسهاب عن العلاقة المصرية - الكورية وضبط سفينة السلاح والعقوبات الأمريكية لمصر وأسباب نشر التقرير في "الواشنطن بوست"، وقد كان مثيرًا جدًا وملفتًا للانتباه الربط بين المصالحة وبين تقرير "الواشنطن بوست"، والإسهاب في العلاقة التاريخية بين مصر وكوريا الشمالية، وتأكيد صحة ما جاء في التقرير برغم النفي المصري، حيث كتب: خطط المصريون هذا الأسبوع للاحتفال بنجاح خطوتهم في غزة، ولكن عندها جاءت الصفعة الرنانة من واشنطن، والتي كشفت بعضًا من العلاقات السرية التي تقيمها مصر مع كوريا الشمالية، فما نشرته "واشنطن بوست" عن سفينة لإرسالية 30 ألف صاروخ آر. بي. جي من كوريا الشمالية إلى مصر جاء ليوضح للقاهرة بأن صبر الأمريكيين نفد.

للمصريين تقاليد طويلة من العلاقات مع كوريا الشمالية، مستمرة منذ أكثر من 50 سنة، فقد رابط طيارون من كوريا الشمالية في مصر عشية حرب "يوم الغفران"، وواحد منهم علق حتى في معركة جوية مع سلاح الجو الإسرائيلي (وفي النهاية أسقط بنار مضادة للطائرات مصرية). وحتى بعد اتفاق السلام مع إسرائيل، الذي منح مصر المساعدة الأمريكية العسكرية الثانية في حجمها بعد إسرائيل، واصل المصريون شراء صواريخ أرض - أرض كورية شمالية.

العلاقات الحميمة لم تنقطع، حتى بعد أن فرضت الأمم المتحدة والولايات المتحدة عقوبات خطيرة على دكتاتورية عائلة كيم، وعبد الفتاح السيسي - الزعيم الحكيم بشكل عام - أصر على الإبقاء عليه. وحذرت الولايات المتحدة، إسرائيل وغيرها من الدول، مصر، المرة تلو الأخرى، من مغبة مواصلة شراء السلاح من كوريا الشمالية. وعلم في الماضي انه أحبطت أيضًا تهريبات لوسائل استراتيجية زودها الكوريون للمصريين.

مصر على أي حال لا تتمتع بصورة إيجابية خاصة في واشنطن، ولكن السيسي لم يقرأ الخريطة مع انتخاب دونالد ترامب، وحتى بعد ان حُذر في مكالمة هاتفية معه في شهر تموز بوقف شراء السلاح من كوريا الشمالية، وصلت الباخرة مع إرسالية الصواريخ في آب، فاقتطع ترامب 300 مليون دولار من المساعدات لمصر، سكتت القاهرة، ولكنها على ما يبدو واصلت أعمالها مع بيونغ يانغ، ممّا دفع الأمريكيين الآن إلى الكشف عن ذلك على الملأ.

ترى مصر في كوريا الشمالية شريكًا مهمًا، ومنذ عشرات السنين تتسلى مصر بفكرة تطوير قدرة نووية، وإذا اختار المصريون السير في هذا المسار، فثمة فقط دولة واحدة ستبيعهم الأدوات، فقد اشتروا إرسالية الـ آر. بي. جي من كوريا الشمالية، ليس كي يوفروا بضعة دولارات، بل ليساعدوا صديقًا في ضائقة. ولكن مع رئيس مثل ترامب - الذي لا يتحمس على أي حال للمساعدة العسكرية والاقتصادية السخية التي تمنحها بلاده لمصر (أكثر من 1.5 مليار دولار) - فإن مصر ملزمة بأن تكون أكثر حذرًا، والأيام ستقول إذا كانت تعلمت الدرس.

بن دافيد اعتبر نشر التقرير في وقت حساس بالنسبة لمصر، عندما كانت تتهيأ للاحتفال بنجاح خطوات المصالحة؛ بمثابة صفعة. ويختم ما يخص مصر في تقريره بالقول "مصر ملزمة بأن تكون أكثر حذرًا، والأيام ستقول إذا كانت تعلمت الدرس"، في تلميح تهديدي واضح، وصحيح انه يأتي في سياق تحليل الموقف الأمريكي المتعلق بالسفينة؛ لكن من المحتمل أيضًا ان يكون له علاقة بالدور المصري الذي قد يضر بمصالح تل أبيب.

العلاقة المصرية - الإسرائيلية تكتسب أهمية كبيرة بالنسبة لإسرائيل، وتنطوي على تعقيدات وحساسية عالية جدًا؛ لذلك تلجأ إسرائيل عادة إلى حل خلافاتها مع مصر بهدوء، بمعالجات عبر وفود أمنية سرية ولقاءات شخصية، هذا في القضايا التي تستطيع إسرائيل ان تعلن فيها صراحة لمصر طبيعة مصالحها، لكنها لا تسطيع ان تعلن لمصر ان مصالحها تتضرر بالمصالحة وبإطلاق عملية تسوية جادة، وهي تعتمد ان يفهم المصريون ذلك بشكل غير مباشر، وإن أصرت القاهرة على التجاهل فقد تلجأ تل أبيب لديبلوماسية الحرب الباردة.

انشر عبر