اللغة : العربية

إسرائيل وتحولات السعودية الداخلية

01 تشرين الأول / أكتوبر 2017

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات

رغم بعدها الجغرافي عن إسرائيل، إلا ان التغيرات والمجريات السياسية والاجتماعية في المملكة السعودية تحظي باهتمام كبير لدى الساسة والمراقبين الإسرائيليين، نظرًا لدور السعودية المهم والمؤثر على المستوى الإقليمي والدولي، ودورها ووزنها على ساحة الصراع مع إسرائيل، وكل تغيير على المملكة - التي توصف إسرائيليًا بالمحافظة - يلقى اهتمامًا، باعتباره ربما جزءًا من بداية تغيير أكثر عمقًا وأوسع رقعة، سيؤثر على سياساتها الخارجية، ويعكس توجهات وثقافة التيار المركزي الحاكم أو الأكثر تأثيرًا، كما يعكس تراجعًا لتيار آخر.

إسرائيل كدولة كولونيالية استعمارية عنصرية، تشجع بشكل انتقائي انتهازي الديموقراطية والليبرالية والانفتاح على الغرب، بشرط ان يرتبط ذلك بالتخلص من الأفكار والسياسات والأحزاب والشخصيات الوطنية والقومية، وبحيث تغدو إسرائيل دولة جارة وشريكة، لذلك تراها تشن هجومًا على حكم ديموقراطي، سواء كان علمانيًا أو متدينًا، لأنه يترجم إرادة الشعب الوطنية والقومية في السياسات الخارجية، وفي نفس الوقت ترحب بنظام استبدادي لأنه منفتح عليها. ورغم أنها توظف مدى تراجع الحريات في العالم العربي واستبداد الأنظمة للهجوم على العرب، كثقافة وقيم وسياسات؛ إلا ان معيارها الحقيقي هو توفير مقومات استمرار سيطرتها وتفوقها والتسليم بدورها الإقليمي.

اليوم ترحب إسرائيل بما يوصف أنه بداية حملة إصلاح وانفتاح وتغيير تعيشه المملكة العربية السعودية، وهي ترى في ذلك تعزيزًا لقوة التيار الإصلاحي المهتم بالانفتاح على الغرب وتغيير الأفكار النمطية عن مستوى التشدد وقمع الحريات في المملكة، والمهتم بتحريك عجلة الاقتصاد واستثمار الحريات وإطلاق طاقات الشباب لتعزيز الإنتاجية القومية؛ ترحب إسرائيل بذلك لأنها تقدر بأنه يعزز اتجاهات التخلص ممّن تصفهم بالمتزمتين والمتشددين دينيًا واجتماعيًا، وهي تربط بين تراجع دورهم وبين "اعتدال وانفتاح" السياسات السعودية تجاه ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل.

القرار الملكي السعودي بالسماح للمرأة السعودية بقيادة المركبات نال اهتمامًا إعلاميًا إسرائيليًا واسعًا، باعتباره واحدًا من القرارات المهمة التي تؤشر على انعطاف كبير، وبداية لخطة إصلاحية كبيره وطويلة الأمد.

القناة الإسرائيلية الثانية، وعبر تقرير مراسلها يارون شنايدر، اعتبرت القرار نتاج الحراك النسائي السعودي الذي بدأ منذ سنوات بتمرد النساء على قرار حظر قيادتهن ومطالبتهن بالعديد من الحقوق وخروجهن للمطالبة بالحريات، حيث سمح لهن لأول مره عام 2015 بالمشاركة في الانتخابات المحلية، لكن الدوافع علاقات عامة موجهة للغرب، ويستشهد شنايدر على ذلك ان السعودية في فترة الحج اتخذت قرارًا غير مسبوق بالسماح للنساء بعلاج الحالات الطارئة أثناء موسم الحج، ودعت كل وسائل الإعلام لتغطية الحدث، كما رافق القرار الملكي الخاص بقيادة النساء للمركبات قرارًا مهمًا آخر بتعيين امرأة ناطقة باسم السفارة السعودية في واشنطن.

شنايدر يؤكد على أن صراعًا يدور الآن، يتعلق باللوائح القانونية التي ستنظم وتضبط تطبيق القرار، وعلى سبيل المثال يدور السؤال عن لباس السائقة المحتشم، وهل سيشترط النقاب للقيادة أم سيسمح بدونه، وما تأثيره على الأمن، حيث يمكن لإرهابي مثلًا أن يقود مرتديًا نقابًا، وأسئلة حول وقت القيادة، ليلًا أم نهارًا، ومن الذي سيقوم بتعليم القيادة... الخ.

أما الصحفي جاكي خوجي من "هآرتس" فيعتقد بأن الاقتصاد هو الأساس في تشجيع الإصلاحات، فالإصلاحات الاقتصادية وتقليل النفقات وضرورة إسهام المرأة في الاقتصاد؛ كل ذلك يتطلب تعزيز الحريات، ومن بين ذلك منح المرأة حرية القيادة والقدرة على الوصول إلى العمل، فتحت عنوان "الاقتصاد هو طريقك سيدتي" كتب: احتفل الإعلام العالمي هذا الأسبوع مع نساء السعودية بلحظة تاريخية من التحرر، فالإذن الذي أعطاه القصر الملكي لهن لرخصة قيادة السيارات - لأول مرة في تاريخهن - هو ذروة أحد النضالات المهمة في العالم في مجال حقوق الانسان. لهذا التغيير حديث العهد جوانب لا تتعلق بحقوق النساء فقط، بل أيضًا بشؤون عائلية، دينية، حزبية، سياسية، وبالأساس اقتصادية، هذه مسألة مشوقة، لا يزال قسم كبير منها أمامنا.

لقد جاء القرار الذي اتخذته العائلة المالكة في موعده، ومنح الملك وأبناءه نقاط استحقاق عديدة لدى الجمهور والعالم، يكمن فيه إنجاز داخلي لا بأس به، فبإعطاء الضوء الأخضر للنساء لقيادة السيارات، دمّر القصر معارضة تعود لعشرات السنين من جانب المؤسسة الدينية.

لقد سبق للأمير الشاب أن قال قبل بضعة أشهر ان مسألة قيادة السيارات للنساء هي اجتماعية فقط، ولا ترتبط بالدين؛ وكان هذا تلميحًا لشرطة الدين القوية، التي أخذت المسألة على عاتقها، بأن هذا ليس شأنها، وهكذا أظهر الملك المرشح بأنه مع كل الاحترام لقوانين الشريعة، ثمة في الرياض رب بيت، مملكة محبة للحياة يتعين عليها أن تسير مع العالم وليس ضده.

 

مليون سائق خاص

ليس الحظر على سياقة النساء مرده الفقه الإسلامي، فقد ولد في المؤسسة الدينية الرجولية لإبعاد المرأة عن مغريات الطريق، وتحدث المعارضون عن الخوف من أن تعلق في الطريق فتجد رجلًا ينقذ سيارتها، فيهتم بها أكثر ممّا ينبغي، ولكن لما كان محظورا عليها السياقة بنفسها، فقد درج الأزواج على أن يستأجروا لنسائهم سائقين خاصين، وهذه حكمة مردودة: فقد أبعدوا عنها مغريات الطريق، وأدخلوا رجلًا غريبًا إلى سيارتها.

أكثر من مليون سائق خاص يعملون في أرجاء المملكة في خدمة النساء، فهم مهاجرو عمل، معظمهم من الهند وباكستان، افريقيا السوداء أو النيبال والفلبين، أجرهم الشهري ارتفع في السنوات الأخيرة، وهو يقترب من 2000 ريال (1800 شيكل)، يضاف إلى هذا إيجار الشقة وتذكرة السفر والإعالة؛ النفقات التي بدأت تثقل جدًا ميزانية العائلة. وحسب المعطيات الرسمية في الرياض، تنفق العائلات في السعودية 25 مليار ريال (نحو 22 مليار شيكل) في السنة على رواتب السائق للمرأة؛ هذا الإنفاق يشق طريقه - في الغالب - إلى البلاد الأصلية للسائق.

بتغييره للقانون، أبقى ولي العهد هذه المليارات في نطاق المملكة، وقلص المشكلة الديمغرافية. وحسب التقديرات، ما لا يقل عن مليون سائق سيقالون في السنة القريبة القادمة؛ بل إن التغيير سيشجع النساء على الخروج إلى العمل، وهكذا سيكنّ محرك نمو للاقتصاد السعودي المتحجر، الذي تعلم كيف يعتمد أساسًا على أرباح النفط.

إحدى الخفايا خلف المرسوم الملكي هي كيفية استسلام المؤسسة الدينية بهذه السهولة، بعد عشرات السنين التي وقفت فيها على قدميها الخلفيتين ومنعت النساء من القبض على المقود. رغم ذلك، طريق المرأة السعودية إلى الحرية ما زال طويلًا، ولكن أساسه ليس فقط في يد المشرع، بداية تحررها في البيت، حيث تعيش القمع الأكبر، بعيدًا عن عيون الجميع.

انشر عبر