اللغة : العربية

نمر الجمل .. موجة صدمات متعددة

27 أيلول / سبتمبر 2017

عمال فلسطينيون يجلسون في مستوطنة
عمال فلسطينيون يجلسون في مستوطنة

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات

في وصفها وتغطيتها لعملية قتل الجنود على بوابة مستوطنة "هار أدار" شمال غرب القدس، التي نفذها الشهيد البطل نمر الجمل من قرية بيت سوريك، القريبة من المستوطنة؛ استخدم الإعلام الإسرائيلي تعبير الصدمة، والمصدومين، وهو عادةً وصف يستخدم في أعقاب عمليات يقتل بها أطفال عائلة بطريقة قاسية، لكنه استخدم هنا لوصف مشاعر من أفاقوا على صدمة تبدد وهم التعايش المشترك، وهم من يحاول أن يرى في بعض المستوطنات والمستوطنين الذين يلاطفون العمال ويبتسمون لهم وكأنهم جزءٌ من النسيج الاجتماعي، فقد صرخوا مستنكرين: "هار ادار" لا تحسب مستوطنة، فسكانها لطفاء من المستوى الاجتماعي فوق المتوسط، وحتى ان 10% منهم انتخبوا "ميرتس"، ومعظمهم انتخب حزب "العمل"، ويعاملون العمال والقرى الفلسطينية بلطف كبير، نمر كان ابن بيت لدينا، كنا نحبه ونحترمه، علاقاتنا مع قرى قطنة وبدو بيت سوريك علاقة طيبة وجيدة. وكأن الفلسطيني مجرم بطبعه، يعض اليد "المحسنة" إليه، وتناسوا علاقة الصراع الحقيقية بين الاحتلال والشعب المحتل، لأنهم لا يريدون ان يتذكروا أنهم احتلال، وأن الحل من وجهة نظرهم يكمن في المعاملة الحسنة للسكان الذين يسمونهم بالمحليين.

أما صدمة المستوى الأمني فهي صدمة متعددة، تتعلق أولًا بمهنية المنفذ في إطلاق النار، فكيف لمن لم يخضع للتدريب أن يطلق ثلاث عشرة رصاصة بسرعة وتركيز إلى صدور من حوله من الجنود المدربين من مسدس صدئ قبل أن يتم قتله، وثانيًا فإن ما يسمى ببروفايل منفذي العمليات لا ينطبق على الشهيد نمر من وجهة نظرهم، لا على المستوى العمري ولا الاجتماعي - الاقتصادي، فضلًا عن معاييرهم الأخرى؛ لذلك حاولوا الربط بين ما اعتبروه صعوبات اجتماعية وتنفيذ العملية، مستدلين على ذلك بما نشره على صفحة الفيس الخاصة به، رغم تصريحه الواضح بأن ما سيقوم به ليس له علاقه بأي شيء آخر سوى الهدف الحقيقي للعلمية، الهدف الذي يسعى كل فلسطيني لتحقيقه عندما يقوم بفعل مقاوم ضد الاحتلال، وصُدم المستوى الأمني ثالثًا من أن العملية جاءت لتبدد هدوءًا موهومًا تفاخروا بأنه من نتائج قمعهم وردعهم، ويخشون الآن من أن تكون هذه العملية فاتحة لانطلاق عمليات لاحقه أخرى، لا سيما في موسم أعيادهم، والذي يصادف منذ عدة سنوات تصعيدًا في العليات الفلسطينية، هذا التخوف يزداد - بحسب تقديرهم - على خلفية تجميد أو تراجع التنسيق الأمني وخطاب الرئيس في الأمم المتحدة الذي وصف بالتصعيدي، والتقارب الفلسطيني - الفلسطيني، وتقديرهم بأن هذا التقارب سيؤدي إلى وقف الاعتقالات للمقاومين وإطلاق يد الفلسطينيين في المقاومة، فالتقدير بأن العلاقة بين الفلسطينيين وإسرائيل ذاهبه باتجاه التصعيد الميداني على جبهة الضفة، والسياسي على جبهة الصراع.

ردود الفعل الإسرائيلية هي ذات النسخة المكررة من ذات الردود على العلميات السابقة، سواء على المستوي البلاغي أو الإجراءات العقابية، فليبرمان طالب بإنزال عقوبة الإعدام بحق من وصفهم بالمخربين، وكأنه نسي ان هؤلاء يتم إعدامهم فورًا من قبل جنوده القتلة ودون محاكمة، والشهيد نمر تم إعدامه وتأكيد قتله مباشرة بعد ان تمكنوا منه، أما رئيس حزب "العمل" غباي فقد طالب بالضرب بالقبضة الفولاذية، وعضو الكنيست نافا بوكير من "البيت اليهودي" طالبت بإلقاء جثمان الشهيد في البحر، أما نتنياهو فقد أعلن حكمًا فوريًا بهدم منزل الشهيد، ومنع أبناء عائلة الجمل من الحصول على تصاريح العمل عقابًا لقرابتهم للشهيد، وإغلاق قرية بيت سوريك لعدة أيام، واستهجن عدم استنكار الرئيس للعملية، وأعلن وقف أو تجميد التسهيلات التي تحدث عنها مع الأمريكان باعتبارها بديلًا للسلام السياسي، والتي لا أحد يعرف متى كان ينوي تنفيذها.

لكن اللافت هو الإدانة الشديدة للعملية من قبل الاتحاد الأوروبي، الذي قال مستنكرًا "ليس هناك ما يبرر هذا الإجرام"، وقد تناسى ان الإجرام الأكبر هو استمرار الاحتلال وتهجير شعب وسرقة أرض وإعدام مستقبل شعب، كما لا نسمع صوت الاتحاد بهذه الشدة مدينًا جرائم الاحتلال، هذا الاحتلال الذي احتفل أمس بشكل رسمي في مستوطنات "غوش عتصيون" بمرور يوبيل على ما يسمونه "تحرير بقية أرض إسرائيل"، ولم نسمع صوتًا رسميًا أوروبيًا، لا مهددًا ولا منذرًا ولا منددًا.

رحل الشهيد نمر مبددًا بصرخته وطلقات مسدسه التي غرسها في صدور المحتلين خيوط الوهم العنكبوتية عن القدرة على ردع روح المقاومة عند الشعب الفلسطيني، مشعلًا جذوة جديدة من جذوات المقاومة المستمرة التي ستشتعل نارًا ولهيبًا يحرق الغزاة.

انشر عبر