اللغة : العربية

أزمات أوروبا هي فرصة لصناعة السلاح الإسرائيلي

25 أيلول / سبتمبر 2017

مركز دراسات الأمن القومي

أطلس للدراسات

على خلفية التوترات والأزمات الأمنية والسياسية التي تشهدها أوروبا في السنوات الأخيرة (العلاقة مع روسيا، الهجرة، البريكزت، وسياسات ترامب تجاه أوروبا)؛ فقد ازداد الطلب الأوروبي على الوسائل القتالية والدفاعية والأمنية، وكانت إسرائيل من بين المستفيدين، حيث ارتفع ميل صادراتها الأمنية إلى أوروبا، ومن المتوقع ان يزداد هذا الميل.

في العام 2015 أصبحت أوروبا الهدف الثاني في حجمه لصادرات السلاح الإسرائيلي، إذ تضاعف حجم الصفقات الأمنية الأوروبية مع إسرائيل من 724 مليون دولار في العام 2014 إلى 1.6 مليار دولار في 2015. ويتواصل هذا الميل في العام 2016 أيضًا، حيث بلغ حجم صفقات التصدير مع الدول الأوروبية إلى 1.8 مليار دولار؛ أكثر بكثير من دول أمريكا الشمالية (1.265 مليار دولار، أمريكا اللاتينية 550 مليون دولار، وافريقيا 275 مليون دولار)، وإن كان لا يزال أقل من حجم التصدير الأمني إلى دول آسيا (2.6 مليار دولار).

ان الارتفاع في شراء السلاح الإسرائيلي هو جزء من صعود عام في ميزانية الدفاع للدول الأوروبية، التي نمت في عامي 2015 - 2016 بمعدل 3% بالمتوسط، وكانت مشاكل الإرهاب وتيار اللاجئين إلى أوروبا بين العناصر التي ساهمت في اتساع التصدير الأمني الإسرائيلي إلى دول في القارة خلال هذين العامين، فقد وردت إسرائيل لدول مختلفة أجوبة تكنولوجية لمعالجة التسلل، مكافحة الإرهاب، وكذا للحماية ضد الهجمات الالكترونية (السايبر) التي تصبح وسيلة هامة أكثر فأكثر من ترسانة العرض لدى الشركات الإسرائيلية. وكانت العناصر الهامة في اتفاقات التصدير الأمني 2016 تحسين طائرات ومنظومات جوية (20%)، رقابة وبصريات (18%)، صواريخ ومنظومات دفاع جوي (15%)، ذخيرة ومطلقات سلاح (13%)، رادارات (12%)، منظومات استخبارات، معلومات وسايبر (8%) وطائرات غير مأهولة (7%).

لقد حصل التغيير الكبير أساسًا في غربي أوروبا، حيث تتحول الدول من موردة للسلاح إلى مستوردة مركزية بحد ذاتها، حصل هذا الميل في ألمانيا عقب برود العلاقات مع من كانت الموردتين الأمنيتين الأكثر أهمية للقارة الأوروبية على مدى القرن العشرين (بريطانيا والولايات المتحدة)، البريكزت (خروج بريطانيا من الاتحاد)، وكذا شكوك بالنسبة لمصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية للدول الأعضاء في الناتو، عقب تصريحات الرئيس دونالد ترامب بأن على الأعضاء في الحلف ان يزيدوا ميزانيات النفقات الأمنية لديهم إلى 2% من الناتج المحلي الخام كانت في خلفية إعلان المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن على أوروبا "ان تهتم الآن بنفسها". وبناءً على ذلك يجري نقاش في ألمانيا عن زيادة الاستقلالية العسكرية للاتحاد الأوروبي، السياسة التي تتصدرها وزيرة الدفاع الألمانية فون در لاين. فضلًا عن ذلك، في الأشهر الأخيرة انطلقت في الصحف الألمانية وفي البرلمان دعوات للحكومة الألمانية لتطوير قدرة نووية بهدف ردع روسيا.

من بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، فقط بريطانيا، بولندا، اليونان واستونيا تستوفي الهدف الذي وضعه الرئيس ترامب، أما ألمانيا من جهتها فأعلنت رسميًا في 2016 بأن في نيتها الوصول إلى هدف علاوة 2% من الناتج المحلي الخام لميزانية الدفاع، وبالتوازي أعلنت ألمانيا وفرنسا مؤخرًا عن زيادة التعاون الأمني بينهما، بما في ذلك التطوير المشترك للمروحيات الهجومية من طراز (Airbus Tiger) وصواريخ جو - أرض، وكذا النية لشراء مشترك للدبابات والمدفعية، إضافة إلى ذلك، في السنة الأخيرة فحصتا إمكانية التعاون في تطوير طائرة قتالية جديدة، تحل محل الحاجة لشراء طائرات اف 35 الأمريكية.

هذه التطورات تترك مجالًا أيضًا لإسرائيل لتصعيد التصدير الأمني لهذه الدول الأساس، ضمن أمور أخرى عبر التعاون الذي تقيمه معها منذ الآن في مجال تطوير طائرات غير مأهولة، صواريخ فضاء. واضحٌ في شرق أوروبا أيضًا ارتفاع كبير في النفقات الأمنية على خلفية الخوف من العدوان الروسي، الأزمة في أوكرانيا في 2014 والرد الهزيل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أشعل أضواء تحذير لدى قسم من دول شرق أوروبا، دفعتها إلى الفهم بأن عليها ان تأخذ المسؤولية عن أمنها. وأضيف إلى ذلك صعود أحزاب اليمين القومي المتطرف في بولندا وفي هنغاريا، ممّا عبر عن الرغبة في الانقطاع عن التعلق بالاتحاد الأوروبي وتعظيم الإحساس بالفخر الوطني، ضمن أمور أخرى من خلال بناء قوة عسكرية. من هنا، التوقع لزيادة المشتريات العسكرية لدول شرق أوروبا في السنوات القادمة، سواء بالسلاح الثقيل (طائرات، مدرعات، صواريخ) أم وسائل الدفاع ضد هجمات السايبر، التي تتبين كسلاح مفضل لروسيا. ومؤخرا أعلن عن تعاون أمني واستخباري بين استونيا وبين فنلندا، المحاذيتين لروسيا، كما ان العدوان الروسي يوجد أيضًا في خلفية التعاون الأمني بين دول البلطيق (استونيا، ليتوانيا وليتا).

سياقات تسلح واسعة النطاق تجري الآن في بولندا، رومانيا، استونيا، فنلندا وهنغاريا، وإسرائيل تتمتع بذلك. بولندا استثمرت حتى الآن أكثر من 14 مليار دولار على نفقات عسكرية في السنوات الأخيرة، في هدف واضح للتسلح في مواجهة روسيا، في هذا الإطار وقعت صفقة بين حكومة بولندا وشركة "البيت" بموجبها تورد "البيت" منظمات دفاع ضد الصواريخ والمقذوفات الصاروخية قصيرة المدى من طراز "مقلاع داود" (العصا السحرية) بكلفة مقدرة بنحو مليار دولار.

حكومة هنغاريا أعلنت عن نيتها مضاعفة نفقاتها الأمنية حتى العام 2026، ويحتمل ان تحظى إسرائيل بنصيب من ذلك، لا سيما بعد زيارات نتنياهو إلى بودابست، كما ان ليتا هي الأخرى شديدة في ميل التسلح؛ "رفائيل" باعت جيشها وسائل إطلاق سلاح متطورة بحجم 100 مليون دولار.

لقاءات نتنياهو مع زعماء دول شرق أوروبا كفيلة بأن تبين كأساس لتوثيق العلاقات. وفضلا عن ذلك، إذا كانت في نية إسرائيل ان ترفع مكانتها كمورد سلاح حيوية للدول الأوروبية؛ فإن عليها أن تدير سياسة حذرة في إصدار التصاريح للتصدير الأمني، فالتوتر المتزايد بين دول شرق أوروبا المتسلحة وبين روسيا من شأنه ان يؤثر على علاقات إسرائيل مع موسكو، وبالتالي قد تكون هناك آثار أمنية سلبية، ضمن أمور أخرى في ضوء التواجد الروسي المتواصل في سوريا.

انشر عبر