اللغة : العربية

قراءة في خطاب نتنياهو

20 أيلول / سبتمبر 2017

بنيامين نتنياهو - رئيس الوزراء الإسرائيلي
بنيامين نتنياهو - رئيس الوزراء الإسرائيلي

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات

منتشيًا بما جاء في خطاب ترامب ضد إيران، وبما دار في لقائهما الأخير، ومعززًا بجولته الخارجية في أمريكا اللاتينية، ولقاءاته مع بعض الرؤساء على هامش اجتماعات الأمم المتحدة؛ اعتلى نتنياهو أمس منبر الأمم المتحدة، وقدّم خطابًا استعلائيًا مغرورًا، اجتهد ليبدو زعيمًا واثقًا من نفسه، واثقًا ببلاغته الخطابية، واثقًا بقدرته الزعامية، محاولًا منافسة ترامب وكأنه في برنامج لنجوم الخطابة المتنافسين على من يستحوذ على الأضواء، نافس ترامب حتى في درجة الوقاحة والاستخفاف بالدول والشعوب وبالمؤسسات الدولية، والتفاخر بإنجازات إسرائيل، والجزء السياسي الهام في الخطاب اقتصره على التحشيد والتحريض ضد إيران وتوعدها بلغة قاسية، وهدّد ان إسرائيل تصر على منع تمدد النفوذ الإيراني على الأراضي السورية، وعلى الحدود المحاذية لدولة الاحتلال؛ تهديد علني انطوي على تلميح واضح بأن إسرائيل على استعداد لخوض حرب على الجبهة الشمالية لتأمين مصالحها والتصدي للنفوذ الإيراني.

أما قضية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي فلم تحظَ إلا بجمل عابرة وعامة، تؤكد التزام إسرائيل بالتوصل لتسوية مع جيرانها، بما فيهم الفلسطينيين، وأنه يشكر التزام ترامب ببذل جهود للتوصل إلى السلام.

خطاب نتنياهو هذا العام في الأمم المتحدة لا يختلف من حيث الجوهر عن خطابه العام الماضي ولا عن خطاباته السابقة، سوى من حيث الجوانب المتعلقة بإسرائيل وتاريخ اليهود وعلاقتهم بفلسطين التي يرغب بتسليط الضوء عليها، ففي العام السابق ركز على البعد التاريخي الديني، واقتبس الكثير من الأقوال التوراتية، لكنه في خطابه أمس اختار تسليط الضوء على إنجازات إسرائيل، وكان هنا متبجحًا ومختالًا ومتفاخرًا، وكأنه يمنّ على العالم بأن "الله سبحانه حباهم إسرائيل لتكون لهم نورًا"، وكأنه يقول لهم: لماذا لا تمنحوها تخفيضًا واستثناءً وأنتم مدانون لها في طعامكم وأمنكم وصحتكم وعلاجكم ومياهكم وجوالاتكم واتصالاتكم، وفي كل ما حولكم؟!

المشترك في كل خطاباته التحريض ضد إيران، والسخرية بالأمم المتحدة، وانتقاد المؤسسات الدولية، ومعجزة إسرائيل التي تنجح رغم كل العداء لها، وتجاهل قضية الصراع الجوهرية، والتركيز على العلاقات العربية الإسرائيلية.

بدأ نتنياهو خطابه وكأنه يتحدث إلى جمهوره الإسرائيلي، مستعرضًا إنجازات إسرائيل الديبلوماسية خلال عام جولاته في القارات الست، ومئات زيارات الرؤساء والمسؤولين لإسرائيل، وفي نفس الوقت مخاطبًا الشعوب ودول العالم بأن إسرائيل نجحت رغم كل الصعاب في نيل اعترافكم بمكانتها وبإنجازاتها وبما تمتلكه وتحتاجه الشعوب والدول، فعدّد إنجازات إسرائيل وما تقدمه للعالم من صناعة الجهاز الذي يحول الهواء إلى ماء، وجعل المرأة الافريقية التي لا تضطر إلى السير كيلومترات لتأت بالماء، إلى نقل طفلة من دولة عربية بالطائرة للعلاج في إسرائيل، إلى مجالات الصحة والتقنية والأمن والاتصالات والماء والزراعة، وكيف أنقذت إسرائيل من تحت أنقاض الزلازل، وتقديم معلومات أمنية تساعد الدول في إحباط العمليات الإرهابية في أماكن كثيرة في العالم، ولا تعرف بها تلك الشعوب؛ ومع ذلك يستغرب كيف ان إسرائيل تحظى بالإدانة الفورية في مؤسسات الأمم المتحدة، وكيف ان سوريا - التي وصفها بأقذع الأوصاف - تنجح في الحصول على تأييد أحد المنظمات الدولية في قرار يتعلق بإدانة الإضرار البيئي الإسرائيلي في الجولان. واستطرد هجومه على مؤسسات الأمم المتحدة، واصفًا إياها بالسخيفة، ومتجاهلًا حقيقة ان إسرائيل نشأت بقرار من الأمم المتحدة، وأنها تضرب بعرض الحائط المعايير والشرائع الدولية المتعلقة بحقوق الشعوب التي تخضع للاحتلال والتزامات الدول التي تمارس الاحتلال، فإسرائيل كدولة مارقة تنتهك القوانين الدولية وتتصرف كدولة فوق القانون، تطالب العالم بأن يغمض عينه ويغلق سمعه عن ممارساتها الاحتلالية، وتستهجن عليه أحيانًا ان ينتقدها على استحياء.

من المؤكد ان الكثيرين ممّن سمعوا خطاب نتنياهو واستعراضه لإنجازات إسرائيل أصيبوا بحالة من الغضب، وشعروا بالتقزز، وتذكروا قائلين "نعم، هذه هي الروح اليهودية الحقيقية، بما تتميز به من وقاحة وصلف وجشع ونكران عندما تشعر بالقوة"، فكل دولة من دول العالم لها إسهامات في الحضارة البشرية، وإسهامات إسرائيل لا تقاس بالمقارنة مع اليابان مثلًا، التي لا تطلب إعفاءً من القانون الدولي.

وما لم يقله نتنياهو عن دولة "النور الإلهي للغرباء" ان لها تاريخ وحاضر أسود، ليس فقط في علاقتها مع الشعب الفلسطيني؛ بل في انتهاكها لحقوق الانسان وممارساتها العنصرية وعلاقاتها بالجريمة المنظمة وتبييض الأموال، فهي ملاذ آمن للمجرمين والمهربين والمطلوبين للعدالة الدولية وللقتلة، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تروج بها سياحة القتل وتعيش على تصدير السلاح للدول النامية التي تعيش صراعات وقتالًا داخليًا، ولها حضور في كل بؤر التوتر والصراع، وتاريخ طويل في دعم ومساندة الزعماء الفاسدين والديكتاتوريات، هذا فضلًا عن أنها الدولة الوحيدة في العالم القائمة على النهب والقتل والاغتصاب والاحتلال.

إيران احتلت جوهر المضمون السياسي لخطابه، فهي بالنسبة لنتنياهو "جذر الشر ولب مشاكل الشرق الأوسط"، وأن الدول العربية تشارك إسرائيل مخاوفها، ليس فقط من الملف النووي الإيراني؛ بل ومن قدرة ونجاح إيران على التمدد وفرض نفوذها في الشرق الأوسط، مؤكدًا على أنها شر يهدد كل دول العالم، واصفًا إياها بكوريا شمالية جديدة، مستخفًا بالدول العظمي التي أبرمت اتفاقًا مع إيران واصفًا إياهم بـ "السذج الذين أيدوا سابقًا التهاون مع كوريا الشمالية".

إسرائيل - بحسب نتنياهو - دولة عظيمة، لكنها لا زالت ضحية تعاني الكثير من العداء، فيختار إظهار حجم التهديد الإيراني ويفرض على العالم أولويات لتجاهل مطالب العالم وأولوياته بالتسوية السياسية، وهو بذلك يوظف إيران للتهرب من ملف الصراع الرئيسي ولإشغال العرب بـ "عدو" مشترك. وللأسف نجد زعيمًا عربيًا يقول انه لا يمكن فرض التسوية على الفلسطينيين والإسرائيليين من الخارج، وأنها يجب أن تعبر عن رغبتهم، وذلك بعد ان سمع من نتنياهو ان إسرائيل لن تتنازل عن سيادتها غربي نهر الأردن.

غابت القضية عن أجندة، ليس فقط نتنياهو وترامب؛ بل عن أجندة العالم لأنها غابت في الميدان هنا قبل ان تغيب هناك، وغابت عن جامعة العرب وتحالفاتهم وأولوياتهم، فنحن الفلسطينيون أولًا والعرب ثانيًا المسؤولون عن غياب قضيتنا عن المحافل الدولية.

انشر عبر