اللغة : العربية

اشتداد حدة سياسة العدوان الأمريكية ضد "داعش" .. تقدم كبير في مجال الحرب غير المتكافئة

19 حزيران / يونيو 2017

مركز دراسات الأمن القومي

بقلم: ليران عنتابي وأودي ديكل

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في نهاية مايو 2017 أعلن وزير الدفاع الأمريكي الجنرال جيمس ماتيس انه طرأ تغيير على الاستراتيجية الأمريكية في الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية"، وأن جوهره الانتقال من "الاستنزاف" إلى السياسة الموجهة لـ "التدمير"، ماتيس أوضح ان التوجه الأمريكي يستهدف منع المقاتلين الأجانب في صفوف "الدولة الإسلامية" من النجاة من الحرب والعودة إلى أوطانهم الأصلية أو الانتقال إلى العمل في أماكن أخرى مثل شمال افريقيا وأمريكا وآسيا، أضاف ماتيس "الإصابات المدنية هي حقيقة واقعة في مثل هذا الوضع"، لكنه أوضح ان قوات الولايات المتحدة مستمرة ببذل جهود واضحة رغم التفكير في الحاجة العسكرية لمنع وقوع ضحايا في أوساط المدنيين. إلى ذلك فقد لوحظ انه ومنذ دخول الرئيس ترامب منصبه ارتفع عدد المصابين المدنيين في الهجمات ضد "داعش" في العراق وسوريا.

في الـ 5 من يونيو بدأ هجوم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على مدينة الرقة، عاصمة "الدولة الإسلامية" في سوريا، حسب تقارير أوردتها عناصر الأمم المتحدة قُتل 88 مدنيًا في الهجمات الجوية، وحوالي 30 من القتلى هم من الشباب والأطفال والنساء. قبل ذلك وفي نهاية مايو، ورد تقرير حول هجومين جويين آخرين لطائرات التحالف، في أحدهما قُتل 20 مواطنًا هربوا من الرقة و31 في الهجوم الثاني، رغم انه ما يزال من غير الممكن الحسم بأن المقصود تغيير حقيقي فيما يخص السياسة السابقة بخصوص أوامر إطلاق النار ومنع وقوع أضرار جانبية من أجل تقليص إصابة المدنيين، وما يزال شكل الهجمات وعدد المصابين يمكن ان يشير إلى اعتماد سياسة أكثر تساهلًا في إطلاق النار والهجوم الجوي ممّا كان عليه الأمر زمن نظام أوباما، حيث تشددت للغاية سياسة منع وقوع أضرار جانبية، بل قيل ان النظام تطلع إلى "صفر في المصابين المدنيين".

الامتناع التام عن إحداث أضرار جانبية في مواقع القتال غير المتكافئ، حيث يعمل تنظيم شبه رسمي يقابله مقاتلون في محيط مدني، ويكمن عن نية مسبقة بين سكان مدنيين يستخدمهم من ناحيته "دروعًا بشرية" لا يسمح في معظم الحالات بتحقيق الأهداف العسكرية. بهذا الشأن تجدر الإشارة إلى انه وبشكل عام عندما توجد قيود كبيرة على مستوى الضرر الجانبي فالقادة الميدانيون أيضًا يأخذون هامشًا أمنيًا آخر من أجل منع المساس بالمدنيين وغير المتورطين في القتال، وبناءً على ذلك تنخفض فاعلية الهجمات العملية الظاهرة التي تسببت بانتقادات داخل الولايات المتحدة أيضًا بزعم ان القانون الدولي هو الآخر لا يضع أمام القوات المقاتلة معايير وقيود متشددة إلى هذا الحد بشأن استخدام القوة.

يبدو انه في فترة الرئيس أوباما اختارت الولايات المتحدة ان تقاتل ضد "الدولة الإسلامية" بيد واحدة "مربوطة"، فتضررت الفاعلية التنفيذية، في الواقع ان هذه هي إحدى خصائص "فارق القوة"، هذا المصطلح يصف الصعوبة التي تواجهها الدول ذات القوة العسكرية الكبيرة في مواجهة التنظيمات الإرهابية والعصابات الأقل منها قوة بسبب قيود استخدام القوة التي تفرضها على نفسها من بين الكثير من الأمور بسبب مبادئ الاخلاق والقوانين الدولية. الولايات المتحدة هي الأخرى امتنعت عن استخدام القوات البرية عدا عن قوات الكوماندو المحدود، وذلك من أجل تقليص أو منع الخسائر بين قواتها، المقصود عرض آخر لذات ذلك الفارق الذي يعكس الخشية من الانتقادات الداخلية، كما انه يقلص القدرة إلى استنفاذ القوة العسكرية وبالتالي تحقيق الأهداف التي تحددت. اعتبار آخر حدّ من شكل مهاجمة البنى المدنية والاقتصادية في العراق وسوريا هو الأخذ بعين الاعتبار لاحتياجات الإعمار في مناطق المعارك مستقبلًا.

سياسة النيران الحذرة والمحافظة خاصة الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي الذي تقوده كانت مختلفة في محتواها عن سياسة الائتلاف الداعم للأسد، والتي تضمنت المساس المتعمد بالمدنيين، بما في ذلك السلاح الكيماوي، وسيما بعد التدخل الروسي في الحرب في سوريا. سياسة استخدام القوة الروسية منذ بدايتها كانت متساهلة وبلا حدود تقريبًا؛ لذلك فقد كثرت التقارير حول الهجمات الجوية الروسية التي أصابت المدنيين والبنى التحتية المدنية والمستشفيات وقصفت مناطق مدنية دون الأخذ بالاعتبار الإضرار الكبير بالمدنيين.

الدلالات الأولية لاستعداد نظام ترامب لاستخدام المزيد من القوة بشكل عام كانت في مهاجمة مطار الشعيرات الذي أقلعت منه طائرات حربية سورية وهاجمت المدنيين بالسلاح الكيماوي، واستخدام أوسع للقوات البرية الأمريكية في مناطق المعارك في الشمال السوري، وإلقاء قنبلة من طراز GBU-43/B (والتي تزن أكثر من 10 أطنان) ضد هدف "داعش" في افغانستان. رغم انه وحسب زعم الأمريكيين لم يصب في هذه الهجمات سوى أهداف عسكرية؛ إلا انها تعتبر تغييرًا واضحًا على سياسة مهاجمة أهداف عسكرية.

أحد التبريرات لقرار استخدام المزيد من القوة في إطار الحرب على "الدولة الإسلامية"، رغم الفهم ان المدنيين الأبرياء سيصابون أيضًا، هو ان نظام ترامب يسعى إلى الإظهار انه غير مواصل لطريق نظام أوباما، وأنه ينوي ان يعمل بإصرار أكبر وبقيود أقل ضد عناصر الإرهاب في العالم. سبب آخر هو ان السياسة السابقة زادت بشكل غير مباشر عدد المصابين بسبب طول أمد المعركة وغياب فاعلية إحباط عمليات التنظيم الإرهابية. وعلى جميع الأحوال فالتغيير يعبر عن التطلع إلى المساس بأكبر عدد ممكن من مقاتلي "الدولة الإسلامية" من أجل منع عودة عناصر الجهاد المتطرفين إلى أوطانهم الأصلية وتسللهم ثانية إلى المناطق المحررة أو إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط كما أوضح ماتيس.

 

الانعكاسات المترتبة على إسرائيل

هل تصريحات ماتيس والهجمات الأمريكية الأخرى، وكذلك السياسة الروسية المتساهلة في استخدام القوة الجوية في سوريا، والتي تتسبب المساس الموسع بالمواطنين والبنى التحتية المدنية تدل على تغيير في المعايير الدولية للقتال ضد التنظيمات الإرهابية واللاعبين شبه الرسميين؟ والسؤال ذو العلاقة: هل قواعد اللعب السارية على القوى العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا تسري أيضًا على الدول الأخرى التي تواجه تحدي الإرهاب مثل إسرائيل؟

في إطار الاستعداد لجولة قتال غير متكافئة أخرى تتخبط إسرائيل في السؤال هل عليها في الحرب القادمة مع حزب الله في لبنان أن تضرب بشدة منذ المرحلة الأولى من الحرب في القرى والمناطق المدنية التي تخبّأ فيها بنى حزب الله، وسيما منصات إطلاق الصواريخ والقذائف الموجهة إلى إسرائيل، وذلك من أجل تحييد قدرة الإضرار بالجبهة الداخلية الإسرائيلية بزعم ان مبدأ "النسبية" والحاجة الأمنية للدفاع عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية تتغلب على الأضرار الجانبية المحتملة من المساس بالمدنيين اللبنانيين الذين يعيشون في محيط بنى حزب الله العسكرية، وقضية أخرى مشابهة تظهر أيضًا في حالة الحرب المحتملة أيضًا مع تنظيم حماس. إلى أي حد تمس سياسة منع الأضرار الجانبية التي تنتهجها إسرائيل في حرب إسرائيل على حماس في قطاع غزة بفاعلية الجيش الإسرائيلي التنفيذية وتطيل أمد الحرب، وبالتالي أيضًا تتسبب بزيادة الضرر الجانبي وكشف الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وسيما البلدات الواقعة في غلاف غزة للمساس المتكرر من قبل حماس وبقية العناصر الإرهابية العاملين في القطاع؟

إذا اختارت إسرائيل في جولة قتال مستقبلية ان تفرض على نفسها قيودًا أقل (ما تزال ضمن قواعد القوانين الدولي)، من المفترض وعلى ضوء الوضع السائد اليوم على الساحة الدولية انها ستكون عرضة لانتقادات أقل أو عقوبات من جانب الولايات المتحدة (وذلك على خلاف ما حدث وقت عملية "الجرف الصامد"، حيث أخر النظام الأمريكي تحويل صواريخ "هيل فاير" التي كانت ملحة لإسرائيل في استمرار القتال إثر المساس بالمدنيين).

يعلمنا التاريخ انه عندما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ اغتيالات مركزة من الجو في إطار الحرب على الإرهاب قل انتقادها وانتقاد دول غربية أخرى لإسرائيل بهذا الخصوص. من ناحية أخرى يصعب التخيّل ان بقية جهات المجتمع الدولي سيوافقون على سياسة استخدام القوة المتساهلة الإسرائيلية في المستقبل. إضافة إلى ذلك - عدا عن التفكير في ردود الفعل الدولية - الجدير ان تعمل إسرائيل بما يتوافق وقيم المجتمع الإسرائيلي الأساسية، والتي هي في جوهرها قيم ديمقراطية/ ليبرالية تستوجب تقليص المساس بالأبرياء قدر الإمكان.

نشدد أيضًا على ان نظام ترامب مراقب ومقيد بالموانع المعروفة في الديمقراطية الأمريكية مثل الصحافة والمنظومة القضائية، وكذلك صلة المواطنين بالسياسة المتأثرة بهذه الأمور وبالرأي العام، وكذلك فإن النظام متأثر أيضًا بالرأي العام الدولي.

سياسة أكثر تساهلًا مقارنة بالماضي، سواء كانت أمريكية أو كانت سياسة إسرائيلية، يجب ان تعترف بمحدودية القدرة على استخدام القوة في المواجهات غير المتكافئة والاستمرار في البحث عن الحلول المناسبة لتحقيق فاعلية عملانية أكثر جودة ضد التنظيمات الإرهابية واللاعبين شبه الرسميين، من خلال تقليص المساس بالمدنيين غير المتورطين في القتال.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر