اللغة : العربية

إيران في أعقاب العمليات الإرهابية في طهران

18 حزيران / يونيو 2017

الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني

مركز دراسات الأمن القومي

بقلم: الداد شبيط وسيما شاين وآنا كتران

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

الهجوم الإرهابي المشترك والأول من نوعه الذي نفذه تنظيم "داعش" ضد أهداف في طهران (7 يونيو) فاجأ النظام الإيراني، تضمن الهجوم عمليتي إطلاق نار في مبنى البرلمان الإيراني (المجلس) وعملية انتحارية في منطقة قبر مؤسس الثورة الإسلامية الخميني، أدت العمليات إلى مقتل 17 مواطنًا (من بينهم حارسين) وإلى جرح أكثر من 50 شخصًا. المسؤولية عن الهجوم تبناها "داعش" بشكل رسمي، الذي نشر أيضًا على مواقع التواصل الاجتماعي شريطًا يوثق وقائع إطلاق النار في مبنى البرلمان، وكان المهاجمون مواطنون إيرانيون، والذين تقول السلطات إنهم ينتمون إلى التنظيم.

لا يكثر النظام من نشر التفاصيل المتعلقة بالتحقيقات الجارية، إلا ان وزير الاستخبارات الإيراني أعلن انه تم تعقب وتصفية المخطط للعمليات (على ما يبدو خارج الحدود الإيرانية)، وكذلك أعلن انه اعتقل أيضًا حوالي 41 شخصًا بتهمة التورط في العمليات. قبل ذلك ورد ان المهاجمين الخمسة تم تجنيدهم من قبل "داعش"، وتدربوا بعد ان غادروا إيران في مواقع التنظيم في الموصل أو الرقة.

نجاح المهاجمين في الوصول لمهاجمة رموز النظام الجلية يعتبر مساسًا بصورة النظام وبالشعور الأمني بأن إيران قادرة على منع "داعش" والتنظيمات المتطرفة الأخرى من الاعتداء على إيران. إيران خبرت فترات من الإرهاب الداخلي الصعب للغاية، وسيما في العقد الأول بعد الثورة، حينها كان التنظيم المعارض "مجاهدي خلق" هو من ينفذ العمليات الصعبة، ومحاولات الاعتداء التي قام بها عام 1981، حتى ان يد المرشد الأعلى الحالي "خامنئي" اليمنى قد أصيبت، ويجد ليومنا هذا صعوبة في استخدامها؛ لكن في العقود الأخيرة عهدت إيران هدوءًا، ولغاية هذه الهجمات لم تضطر لمواجهة عمليات إرهابية من الداخل من المدرسة الداعشية أو القاعدة قبل ذلك.

في أعقاب هذه الأحداث يُتوقع ان تدفع إيران بسلسلة من الخطوات الاستخبارية والتنفيذية لتوفر لنفسها قدرات أفضل في إحباط عمليات أخرى، والتي يفترض ان التنظيم سيحاول تنفيذها في هذا البلد. الحرس الثوري سوف يحاول استغلال الأحداث لكي يعزز موقفه أمام الجهات الاستخبارية، والذين يعيشون معهم حالة من التنافس التقليدي، وكذلك لكي يطلب زيادة ميزانيته على خلاف السياسة التي يحاول الرئيس روحاني اتباعها، ومع ذلك يبدو ان الأمر سيكون بمقدوره ان يغير بشكل جوهري موازين القوى الداخلية في إيران، وسيما بعد انتصار روحاني الكبير في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

القيادة الإيرانية تبث رسائل طمأنة للشعب، وتوضح ان بإمكانها استيعاب هذه الأحداث، إضافة إلى ذلك، وبعد فترة من الانقسام والتوتر الداخلييْن على خلفية صراع الانتخابات الرئاسية بين معسكر روحاني والمعسكر المحافظ؛ لوحظ ولو مؤقتًا توحد الصف، مساعد روحاني دعا أيضًا الشعب إلى تمجيد القوات الأمنية بسبب نشاطها في مناقضة بارزة للانتقاد الشديد الذي شنه روحاني على الحرس الثوري.

من المنظور الإقليمي، لوحظ مجهود يبذله النظام الإيراني لاستغلال الأحداث من أجل دفع مصالحه، بهذا الخصوص يبرز خطان إعلاميان: الأول يستخدم الأحداث الإرهابية من أجل تبرير التدخل في العراق وسوريا، ويحاول المرشد الأعلى خامنئي وممثلوه المحافظون إثارة الشعب في هذا الإطار، إليك مثلًا في الخطاب الذي ألقاه في أعقاب العمليات (7 يونيو) شدد خامنئي بالقول "لو لم نكن متدخلين في مناطق التحريض (يقصد سوريا والعراق) لكنا شهودًا على أحداث من هذا النوع قبل وقت طويل"، في هذا التوقيت بالذات، وحيث تقترب ساعة الحسم في الخطوات العسكرية المتخذة لتقويض "داعش" في العراق وسوريا؛ تزداد مصلحة إيران - مثلها مثل جميع الأطراف - في مواصلة التدخل بهذه الدول والاستعداد لتأمين السيطرة و المصالح فيها، بل من المفترض ان الهجوم الإرهابي في طهران سيمثل بالنسبة للنظام والحرس الثوري رافعة لزيادة التدخل في هذه الدول.

الخط الإعلامي الثاني يشدد على اتهام العربية السعودية الفوري بأنها من يقف من وراء العمليات، وذلك بشكل أساس من خلال تقديمها على أنها نتاج واضح لزيارة الرئيس ترامب للرياض ومحاولة العربية السعودية والولايات المتحدة إبراز نجاحهما في بلورة جبهة واسعة ضد "داعش" وإيران، مثلًا في الخبر الخاص بالحرس الثوري (7 يونيو) قيل ان العربية السعودية هي من يقف من وراء الهجوم الإرهابي في طهران، وأن "العمليات في إيران وقعت بعد أسبوع من لقاء الرئيس الأمريكي مع أحد العناصر المتطرفة في المنطقة، والذي يدعم الإرهاب السني". كما اقتبس وزير الخارجية السعودي الجبير الذي قال قبل العمليات بساعات قليلة خلال زيارته لأوروبا انه "يجب معاقبة إيران". الشأن الأمريكي - السعودي احتل أيضًا قلب تناول المرشد الأعلى خامنئي للموضوع، حيث أشار إلى ان "جرائم من هذا القبيل تقود إلى المزيد من الكراهية تجاه النظام الحاكم في الولايات المتحدة وعملائه في المنطقة مثل العربية السعودية".

الاتهامات بحق العربية السعودية يُراد منها بشكل أساس تعزيز صورة المملكة الداعمة للإرهاب، بينما إيران هي في الواقع الضحية. مع ذلك لا يبدو ان مصلحة النظام الإيراني في الوقت الحالي هي في زيادة التوتر بين البلدين، ونشك في أنها ستقوم بعمليات انتقامية غاية في الوضوح ضد العربية السعودية وحلفائها في الخليج.

إلى جانب الأصوات التي سمعت في إيران، والتي وعدت بالانتقام من "داعش" وداعميها، من بينها صوت رئيس الحرس الثوري الذي قال "كونوا واثقين بأننا سننتقم للعمليات من الإرهابيين ووكلائهم وداعميهم"، ووزير الاستخبارات الإيرانية اختار ان يخفض الألهبة وصرّح بأنه "من المبكر تقرير تدخل العربية السعودية في الأحداث". كذلك الأزمة بين العربية السعودية ومصر ودول أخرى في الخليج وبين قطر تستغل من قبل إيران لتظهر انها هي الجهة المسؤولة في المنطقة، وغير ذلك أزمة الخليج والنشاطات التي أريد منها مساعدة قطر على استيعاب الحصار المضروب عليها يمنحان إيران فرصة لمحاولة تبديد محاولة خلق جبهة موحدة ضدها.

كذلك أمام الساحة الدولية، العمليات في طهران من المفارقات أنها تخدم إيران، تسلط الضوء بشكل سخيف تقريبًا على أقوال وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون الذي اتهم إيران بأنها لا تحارب "داعش"، وكإثبات على صحة أقواله ذكر أنها لم تهاجم من قبل التنظيم على الإطلاق. وإضافة إلى ذلك فالهجوم الإرهابي يدخل إيران إلى معسكر المتضررين من "داعش" إلى جانب كل من فرنسا وبريطانيا ودول أخرى، ويمكنها عرض التعاون المصيري بينها وبين دول أوروبا بسبب كونها مثلهن ضحية للإرهاب المتطرف. تأمل إيران تعميق التضامن المتبادل مع تلك الدول، وتتوقع استغلال الوضع لتوسيع التعاون معها في الحرب على "داعش".

وهكذا، فمن شأن النظام الإيراني ان يشحذ الفجوات التي قد تبدّت بين الأسلوب الأوروبي وبين أسلوب الرئيس ترامب فيما يخص إيران. الهدف المركزي للنظام سيكون الجعل من الصعب على الأوروبيين التعاون مع الولايات المتحدة في بلورة سياسة أكثر عدوانية أمام إيران في أعقاب الاستعداد مجددًا الذي يقوم به نظام الحكم الأمريكي بخصوص بلورة سياسة في مواجهة إيران، وكذلك خطوة المصادقة على العقوبات الجديدة المقدمة في الكونغرس. من ناحية النظام الأمريكي، لا يبدو ان العمليات في طهران سيكون لها تأثير حقيقي على سياسته في الملف الإيراني.

 

ملخص

العمليات في صميم قلب طهران تعبر تحديًا للنظام الإيراني، لكن بشكل عام لدى إيران واجهزتها الأمنية أدوات فاعلة لمعالجة أحداث من هذا النوع، لا يبدو ان القلقلة المحدودة الناتجة عن العمليات في الشعور الأمني لدى الشعب الإيراني سيثير عبارات احتجاجية استثنائية ضد النظام. التشديد الإيراني سيكون في الوقت الحالي على محاولة استغلال العمليات كرافعة لدفع مصالحها في المنطقة وعلى الساحة الدولية.

بهذا الشأن الفهم بأن النظام الامريكي يدرس حاليًا سبل زيادة الضغوطات على إيران من بين كثير من الأشياء من خلال توسيع الضغوطات الإقليمية عليها تدفع النظام إلى إبداء الاعتدال النسبي، وسيما في كل ما يتعلق باتخاذ خطوات جريئة في إطار تحركاته في المنطقة.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر