اللغة : العربية

أزمة الكهرباء مدخل آخر لتحقيق مكاسب سياسية

14 حزيران / يونيو 2017

واللا

بقلم: آفي يسسخروف

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

إمدادات الطاقة في قطاع غزة انخفضت في الأيام الأخيرة من تيار لمدة أربع ساعات وانقطاع لمدة 12 ساعة إلى تيار لمدة 3 ساعات وانقطاع لمدة 16 ساعة؛ هذا الانخفاض أدى إلى انتشار الكثير من الشائعات في القطاع ان إسرائيل قد شرعت بتخفيض إمداد الكهرباء في أعقاب قرار السلطة وقف دفع حساب الكهرباء الخاص بغزة، لكن المشكلة لم تكن متعلقة بإسرائيل هذه المرة، المقصود على ما يبدو مشاكل تقنية (محددة تقريبًا) في الكهرباء القادمة من مصر.

هذا هو الواقع اليومي في الحقيقة لحوالي مليوني فلسطيني ممّن يقطنون قطاع غزة في العقد الأخير، عشر سنوات مرّت منذ سيطرت حماس على قطاع غزة في انقلاب عسكري عنيف، وحشي وسريع، قتل خلاله حوالي 160 من أعضاء فتح، خلال ثلاثة أيام ونصف اليوم نجحت الذراع العسكرية في هزم القوة العسكرية الخاصة بالسلطة الفلسطينية التي كانت أكبر منها بأربعة أضعاف تقريبا، الرجل الأقوى في القطاع حينها والمحسوب على السلطة هو محمد دحلان، شاءت الاقدار ان يكون خلال تلك الأيام الدامية في ألمانيا لتلقي العلاج.

في هذه السنوات العشر، اكتشف سكان القطاع كل يوم من جديد أنهم وإذا كانوا يعتقدون في فترة زمنية معينة ان الوضع هو الأسوأ فإن واقع يومهم أصبح الأصعب؛ حوالي 40% بطالة، فقر شديد، وثلثي السكان الذين يحتاجون إلى مساعدة المنظمات الدولية، مياه غير صالحة للشرب، انقطاع الكهرباء الاخذ في التفاقم، وشباب ليس لديهم أي أفق مهني أو اقتصادي - عدا عن حفر الأنفاق - وليس لديهم المقدرة على مغادرة قطاع غزة.

وإذا كان هناك من يأمل بأنه وبعد عشر سنوات من الحكم في غزة ان تدرس حماس مجددًا سياستها، وأن تستثمر من الآن فصاعدًا على مواطني القطاع بدلًا من استثمارها في بناها العسكرية؛ فإن من شأنه ان يكتشف خطأه، هذا الأمر لن يحدث. كانت حماس وما تزال ذات التنظيم الوحشي المستهتر، الذي يستغل ضائقة سكان القطاع من أجل تحقيق أرباح سياسية محلية ودولية، أحيانًا أمام إسرائيل وأحيانًا أمام السلطة الفلسطينية، أزمة الكهرباء الأخيرة ما هي إلا نموذج آخر لما رأيناه على مدار عشر سنوات، كان بإمكان حماس - لو أرادت - ان تمول جزءًا من كهرباء القطاع بطريقة تؤدي إلى تقليص كبير لانقطاع التيار الكهربائي، لكنها بدلًا من ذلك فضلت تحويل عشرات ملايين الشواكل كل شهر لحفر الأنفاق وإنتاج الصواريخ.

حسب تقديرات كثيرة في السلطة الفلسطينية وفي إسرائيل، تجبي حماس من سكان القطاع ضرائب تقدر بملايين الشواكل كل شهر، لكن مبلغًا كبيرًا من هذه الأموال يذهب لدفع رواتب أعضائها الذين لم يتلقوا منذ أشهر عديدة راتبًا كاملًا، وأيضًا جزء كبير من هذه الأموال يذهب إلى أهداف عسكرية. وحسب تلك التقديرات، فإن حماس في الواقع تنفق حوالي 130 مليون دولار في العام على الذراع العسكرية وإعدادها للحرب، يعني 10.8 مليون دولار كل أسبوع، 40 مليون دولار كل شهر تقريبًا. كان بإمكان حماس ان تخصص 15 مليون شيكل كل شهر لحل مشكلة الكهرباء القادمة من إسرائيل.

السلطة وافقت ان تدفع 25 مليون شيكل من بين الـ 40 مليون المطلوبة من أجل ذلك، لكن التنظيم يرفض ذلك بشدة، تصر حماس على ان السلطة هي من يجب ان تدفع الدين كاملًا، ولا نعرف لماذا! السلطة الفلسطينية وبعد عشر سنوات من الانقلاب الذي طردها من القطاع، قررت في الواقع الانفصال الاقتصادي عن غزة، رغم ان الانفصال الاقتصادي هو انفصال تدريجي؛ لكنه سيصبح شيئًا فشيئًا انفصالًا تامًا أو بكلمات أخرى السلطة تحاول ان تجعل حماس تدفع ثمن الانقلاب.

هذه العملية تقرب طبعًا إمكانية وقوع الحرب بين إسرائيل وحماس، ويرى الكثيرون في قرار الكابينت الإسرائيلي بالموافقة على طلب السلطة الفلسطينية تقليل تزويد غزة بالكهرباء خطوة تمهد الطريق أمام جولة عنف أخرى في القطاع، لكن قانونيًا لن يكون لإسرائيل الكثير من المبررات في هذه الحالة، فلا يمكن لإسرائيل ان تقتطع على مسؤوليتها جزءًا من أموال الضرائب الخاصة بالسلطة لصالح تسديد حساب كهرباء غزة ما لم توافق السلطة على ذلك. إمداد إسرائيل قطاع غزة بالكهرباء ليس خيارًا واقعيًا هو الآخر، إذًا ما الذي بقي لفعله؟ ليس الكثير على ما يبدو، في الوقت الحالي تتمترس جميع الأطراف خلف مواقفها، إسرائيل والسلطة وحماس.

في هذا الوضع حيث لا أحد يريد دفع فاتورة كهرباء غزة، تحاول الأطراف ان تجني ربحًا سياسيًا من هذه الأزمة؛ حماس تحاول ان تلصق تهمة أزمة الكهرباء في غزة بالسلطة الفلسطينية (وإسرائيل)، والسلطة تفعل نفس الشيء لحماس، وبينما الأمر كذلك يطل علينا مسؤول فتح السابق الذي شفي ظهره الآن محمد دحلان، الذي اشتم الفرصة السياسية المتاحة وانقض على ملف الكهرباء. في الأيام الأخيرة سرب رجاله بطريقة ملتوية أخبارًا عن اللقاءات التي عقدها دحلان في القاهرة مع وفد حماس برئاسة يحيى السنوار، معسكر دحلان يحاول بالتالي تسويق التوصل إلى تفاهمات مع مصر وحماس بشأن صيغة لحل الأزمة، دون إعادة حكم السلطة الفلسطينية إلى غزة.

جهات مصرية تنفي هذه التقارير بشدة، لكن يبدو ان دحلان وحماس يفعلون كل ما هو ممكن فقط من أجل ان يخلقوا لدى الغزيين ان الذنب كله ذنب رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن. فحسب زعمهم، دحلان كبير معارضي أبي مازن يستطيع حل الأزمة بالتعاون مع حماس، وهكذا يجعلون أبا مازن يبدو وكأنه يريد التنكيل بسكان قطاع غزة، وليس تحقيق الوحدة الحقيقية.

لا يجب ان نخطئ، فالسلطة الفلسطينية وحماس تتخذان خطوات على حساب سكان غزة، والتي معناها واحد: عقاب جماعي حقيقي. وبيت القصيد واضح للغاية؛ من سيطر على غزة في انقلاب عسكري، ومن حينها أنفق أكثر من مليار دولار على بنيته العسكرية، كان يستطيع ان يوجه بكل سهولة الموارد لحل مشاكل غزة، لكن سلم أولوياته مختلف، وفي النهاية ماذا تعني بضع ساعات كهرباء لغزة مقابل بعض الأنفاق الأخرى أو الصواريخ؟

المفارقة الساخرة هنا هي ان إسرائيل - التي تعاني من تلك الأنفاق والصواريخ - لها إلى حد كبير مصلحة في إبقاء حماس في الحكم في قطاع غزة، من أجل الحفاظ على الهدوء النسبي هناك.

وملاحظة في النهاية على السلطة الفلسطينية وأجهزتها في الضفة الغربية: الأجهزة الأمنية الفلسطينية تستثمر في المناطق مجهودات جبارة واستثنائية من أجل منع وقوع عمليات ضد أهداف إسرائيلية كل شهر وكل عام. التنسيق الأمني مع إسرائيل ممتاز، بل هو في أفضل أوضاعه إلى الآن من بين الكثير من الأمور لكونه ظل بعيدًا عن عيون الشعب الإسرائيلي والفلسطيني.

المئات من نشطاء حماس والجهاد الاسلامي و"داعش" وغيرهم يلقى القبض عليهم بأيدي أجهزة السلطة من أجل منع وقوع عمليات ضد الإسرائيليين، والمفارقة الساخرة هنا أنه إذا ما نجح أحد نشطاء هذه التنظيمات في التملص من مراقبة رادار الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة أو قوات الأمن الإسرائيلية ونفذ عملية؛ فالسلطة الفلسطينية ستهتم بدفع راتب شهري لأبناء أسرته إذا اعتقل، أهلا بكم في الشرق الأوسط.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر