اللغة : العربية

الاستمرارية مقابل التغيير بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

13 حزيران / يونيو 2017

مركز دراسات الأمن القومي

بقلم: زاكي شالوم وكوبي ميخائيل

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

زيارة الرئيس ترامب للشرق الأوسط أثمرت الكثير من التعليقات، عدا عن بعض من الإنجازات البارزة، التي يذكر بعضها بالتعليقات المعروفة للرئيس أوباما، لكن الكثير منها تختلف من حيث الجوهر. من الجدير الوقوف على المغازي المحتملة لهذه التعليقات، وسيما تلك التي تبدو سباقة واستثنائية على وجه الخصوص؛ رغم إنها يجب ان تصمد في الاختبار العملي.

 

الاتفاق الإسرائيلي - الفلسطيني

مثل سلفه الرئيس أوباما، أبرز الرئيس ترامب وقت زيارته للشرق الأوسط: (أ) التزامًا شخصيًا بتحقيق اتفاق إسرائيلي - فلسطيني، (ب) التمسك بفكرة اتفاق شامل للصراع، وليس اتفاقًا جزئيًا، (ج) العلم بأهمية ان تصميم واقع سياسي إقليمي يسمح بدفع الاتفاق، (د) الثقة والأمن بشأن جدوى اتفاق مثل هذا رغم المصاعب المنضوية في تحقيقه، (هـ) التأكيد على حاجة الطرفين إلى اتخاذ قرارات حاسمة وصعبة بغرض تحقيق الاتفاق، (و) التقدير بأن الطرفين ملتزمان بتحقيق الاتفاق، (ز) التقدير بأن الاتفاق الإسرائيلي - الفلسطيني ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على المنطقة برمتها.

في هذه المرحلة من الصعب التقدير إذا ما كان الرئيس ترامب ينوي تطبيق هذه المبادئ بإصرار وكثافة مثل نظام أوباما في فترة حكمه الثانية من أجل تقديم الاتفاق، يمكن الافتراض بأنه من بين الاعتبارات التي ستصمم طريقة الرئيس بهذا الخصوص سيكون أيضًا الاعتبار الكامن في موقفه الداخلي، وفي إمكانية تحويل الرأي العام في الولايات المتحدة عن التحقيقات الجارية بحقه اليوم.

إلى ذلك، وليس مثل الرئيس أوباما، امتنع الرئيس ترامب عن: (أ) تحديد النتيجة النهائية لمفاوضات الاتفاق، (ب) الالتزام بحل الدولتين، (ج) التطرق إلى الصيغة الجغرافية التي سوف يتميز بها الاتفاق، (د) التطرق إلى قضية المستوطنات. في الواقع رسالته للجانبين، وعلى النقيض التام لـ "موروث أوباما" هي ان عليهما الدخول إلى المفاوضات صوب الاتفاق دون العلم بصيغتها النهائية.

عدا عن ذلك، بينما أبرز الرئيس أوباما (وسيما في خطاب القاهرة) الأهمية التي أكدت ان المحرقة هي الأساس والمبرر لقيام دولة إسرائيل؛ فإن الرئيس ترامب أكد في خطاباته عند الزيارة على الارتباط التاريخي - الديني "العتيق والأبدي" للشعب اليهودي بأرض إسرائيل. إضافة إلى ذلك، وعلى خلاف نظرية الرئيس أوباما التي شددت على المعيار الأمني للصراع واعتبرته عنصرًا مهيمنًا، وربما استثنائيًا، في كل ما يتعلق بالاتفاق وانسحاب إسرائيل من المناطق؛ فإن الرئيس ترامب يوصل رسالة واضحة تعتبر الانجذاب الديني - التاريخي للشعب اليهودي يجب ان يأخذ بالحسبان في أي اتفاق ينجز.

كما ان الرئيس ترامب تطرق بشفافية إلى التحريض والدعم المالي والمعنوي من قبل السلطة الفلسطينية للعناصر الإرهابية، في المؤتمر الصحفي الذي انعقد بوجود رئيس السلطة أبو مازن أوضح ان "السلام لا يستطيع ان يضرب جذوره في المحيط الذي يتعامل بالتسامح مع العنف ويدعمه ماليًا ويجازيه"، وفي مناسبة أخرى أكد على ان نظامه لن يقبل بالتسامح مع الإرهاب وتبريره بأي حجج كانت أو التنصل منه. إعلان السلطة الفلسطينية عن وقف دفع رواتب أكثر من 200 أسير محرر حمساوي من قطاع غزة أريد منه - ربما من بين الكثير من الأمور - إبداء الاستجابة، ولو كانت محدودة، لمطالب الرئيس.

الرئيس ترامب أكد على الحاجة إلى توفير الأمن لإسرائيل بالتزام الولايات المتحدة تجاهها، وذلك ربما من خلال الفهم انه بغياب الأمن تجد إسرائيل صعوبة في ان تأخذ على عاتقها المخاطرة المطلوبة في إطار اتفاق مع الفلسطينيين، في هذا الإطار أكد الرئيس ان تعاطي نظامه مع إسرائيل سيكون مختلفًا إلى حد كبير عن تعاطي النظام السابق، واعتبر ان العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة علاقات بين حليفين كبيرين. الرئيس ترامب شدد أيضًا على ان الاتفاق مع إسرائيل يلزم دول المنطقة بالاعتراف بمكانة إسرائيل المهمة في المنطقة، وأن المنظمات الدولية ستلزم بالاعتراف بإسهام إسرائيل في المنطقة والعالم برمته.

 

قضية التهديد الإيراني

في الملف الإيراني، تعليقات الرئيس ترامب تعبر عن موقف مختلف عن أسلوب الرئيس أوباما، في جميع مداولاته لهذا الملف شدد الرئيس ترامب على معارضته الشديدة للاتفاق النووي الموقع مع إيران، رغم انه من الواضح أنه سيجد صعوبة في إلغائه، في التصريح المشترك مع ملك العربية السعودية اتخذ الرئيس ترامب خطوة واحدة إلى الأمام، وقرر ان "بنودًا معينة في الاتفاق النووي مع إيران يجب ان تدرس من جديد"، ذلك إكمالًا لتصريح سابق للرجلين بأنهما اتفقا على انه يجب فرض تنفيذ الاتفاق على إيران بـ "طريقة صارمة".

عدا عن ذلك، وعلى خلاف سلفه، أكد الرئيس ترامب على ان التهديد الإيراني لا يقتصر على الملف النووي فحسب؛ وإنما أيضًا في تدخلها التخريبي في المنطقة، والذي يمثل تهديدًا لأمن المنطقة والعالم، وكذلك أيضًا برنامج الصواريخ البالستية الإيراني يعتبره تهديدًا للمنطقة والعالم. كذلك فقد ربط ربطًا مباشرًا بين إيران وبيت تهديد الإرهاب العالمي، وفي خطابه بالرياض شدد على انه "في لبنان والعراق واليمن، إيران هي من تموّل وتسلح وتدرّب العناصر الإرهابية، التي تزرع الدمار والخراب في المنطقة".

الرئيس ترامب دعا جميع الدول "التي لها ضمير" إلى ان تتخذ على عاتقها العمل سوية من أجل عزل النظام القائم في إيران، ومنعه من الحصول على الأموال التي تسمح له بتمويل الإرهاب، والدعاء ليوم يحظى فيه المواطنون الإيرانيون بالحكومة الجيدة التي يستحقونها. رسالة الرئيس ترامب هي ان الكفاح ضد إيران لا يمكن ان يقتصر على التصريحات القوية فقط، نظامه - وعلى نقيض سلفه - شدد كثيرًا على الحاجة إلى تشكيل تحالف للدول الملتزمة بالعمل ضد الاسلام المتطرف برئاسة إيران، هذه هي بؤرة زيارته للمنطقة.

من تصريحات ترامب يُفهم ضمنًا ان إقامة التحالف الإقليمي على اعتبار أنه بنية لمحاربة الإرهاب الجهادي وكبح التخريب الإيراني هو مصلحة عليا في هذا الوقت، على هذه الخلفية أوضح ان نظامه سيمتنع عن وعظ الدول في كيفية إدارة شؤونها الداخلية وطريقة حياتها. في رأيه فإن التغيرات في دول المنطقة يجب ان تأتي من الداخل وليس بالإملاء الخارجي. رسالة الرئيس ترامب واضحة: ملفات حقوق الانسان والنظام الديمقراطي لن تشكل عقبة على طريق إقامة التحالف الإقليمي.

 

ملخص

تصريحات الرئيس ترامب خلال زيارته للمنطقة تقدم التزامًا عميقًا بتحقيق اتفاق إسرائيلي - فلسطيني، من أجل تحقيق هذا الهدف يبدي الرئيس ترامب رغبة في الامتناع عن تكرار أخطاء النظام السابق الذي لم ينجح في تقديم الاتفاق، أولًا وقبل كل شيء يريد ان يغذي في إسرائيل الشعور بأن عليها ألا تخشى من ارتكاب المخاطر، إذ ان الولايات المتحدة بالفعل، وتحت حكمه، ملتزمة بشكل قاطع بالاهتمام بأمنها. عدا عن ذلك فهو يوازن أسلوب النظام السابق الذي زرع في إسرائيل شعورًا بأن معظم المطالب الصعبة على طريق الاتفاق تعرض عليها، بينما الضغط على الجانب الفلسطيني أكثر اعتدالًا. وأخيرًا، الرئيس ترامب عرض موقفًا لا يقرر نتائج المفاوضات، ويبقي القرار في يد الطرفين فقط، يدور الحديث هنا عن تغيير حقيقي على صورة العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة.

رغم ذلك، ورغم هبوب الرياح المختلفة التي يجلبها الرئيس ترامب معه؛ يصعب الفهم على ما تعتمد ثقته المصرة ان بإمكانه "عقد صفقة" بين إسرائيل والفلسطينيين. في نهاية المطاف المواقف الأساسية لدى الطرفين واضحة ومعروفة، والفجوات بينهما غير قابلة للجسر على المدى المنظور، يجب الافتراض بأن الرئيس ترامب أيضًا يفهم ذلك، وعليه فهدفه الأساسي هو تحريك عملية سياسية من خلال غطاء إقليمي، ليس بالضرورة من أجل تلخيصه أو الوصول إلى اتفاق نهائي، وإنما من أجل بلورة بنية لتحالف إقليمي لمحاربة الإرهاب الجهادي الذي التزم بمسحه عن وجه الأرض ومحاربة التخريب الإيراني.

في ظل هذه الظروف، من المهم للغاية ان تبدي إسرائيل استعدادًا حقيقًا، ليس فقط من أجل ان تبدو مهتمة بالذهاب نحو الصيغة التي يضعها أمامها الرئيس ترامب، والتي تستطيع ان تؤثر عليه أيضًا بمساعدة أفكار خلاقة مثل تغيير وضع جزء من المناطق (ج) ونقلها لسيطرة الفلسطينيين، ولكن من دون التنازل عن المسؤولية الأمنية هناك بطريقة تمكن الفلسطينيين من التطوير المدني والاقتصادي وتواصل التحرك والحكم الأكثر فاعلية وعرض إنجازات سياسية؛ هذا كله تعبيرًا عن الاهمية التي يوليها الرئيس ترامب للربح الاستراتيجي الذي من شأنه ان ينبع لإسرائيل من ضمها في إطار من الشراكة الاستراتيجية مع الدول العربية البراغماتية، شراكة كهذه ستحسن بشكل دراماتيكي مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية وتضمن مصالحها الحيوية في المنطقة.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر