اللغة : العربية

مساندة الفلسطينيين بين الغياب والإياب!

01 نيسان / أبريل 2017

بقلم: جيمس زغبي

أطلس للدراسات

مضت الآن 40 عاماً منذ أن شاركت في تأسيس حملة "حقوق الإنسان الفلسطينية"، وكتبت حينها موضوع: "الفلسطينيون.. ضحايا غير مرئيين". وقد ساورني القلق من أن يُختزل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في الذهنية الأميركية إلى مجرد "معادلة" طرفاها: "الإنسانية الإسرائيلية في مقابل المشكلة الفلسطينية".

وعندما يفكر معظم الأميركيين في الصراع، يمكنهم تخيل أن الإسرائيليين أشخاص مثلنا. فهم آباء لديهم أسر يحبونها، ويريدون ما نريد من السلام والازدهار وفرصة مشاهدة أطفالهم يكبرون لتحقيق أحلامهم. ولهم أسماء ووجوه. ويعانون الألم والفقدان.. إنهم أشخاص حقيقيون.

وأما الفلسطينيون فهم في أفضل الأحوال، ينظرون إليهم باختصار.. ويتصورونهم على أنهم حشد مجهول، من دون أسماء أو شخصيات. وعندما يتحدثون عنهم جميعاً، فهم لاجئون أو "إرهابيون"، وبعد أي صراع، هم مجرد رقم في تعداد الجثث. فلا نعرفهم كأفراد، وما علمناه عنهم هي تصورات ذهنية سلبية. والانفعالات التي نربطها بهم هي أنهم أشخاص غاضبون وعنيفون ولا يمكن أن نثق بهم. ولا ينبغي مساندتهم، ولكنهم مشكلة ينبغي حلها.

ومن خلال هذه العدسات ينظر معظم الأميركيين، سواء في ذلك صناع السياسات أو أفراد الشعب، إلى الصراع. وعند تخييرهم، يكون من السهل عليهم المطالبة بمساندة "الشعب الإسرائيلي"!

وهذا التأطير للقضية لم يكن وليد الصدفة، وإنما هو نتيجة حملة ممنهجة لشيطنة طرف، وإضفاء طابع إنساني على الطرف الآخر. وقد تم تصوير ذلك عام 1961 في الفيلم الدعائي "الخروج"، الذي حرّف رواية "الرواد الذين واجهوا الهنود"، التي اشتهرت في ذلك الوقت، إلى قصة "الإسرائيليين الشجعان" الذين يواجهون "وحشية العرب"!

وخلال العقود التالية، استمر ذلك التأطير للصراع. وفي عام 1981، نقلت تغطية إخبارية تلفزيونية عن المواجهات عبر الحدود بين الإسرائيليين ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وفي اليوم الأول، قُتل إسرائيليان، فسرعان ما أُجريت اللقاءات التلفزيونية مع أفراد أسرهما، ليحكوا قصة خوفهم وألمهم. وفي اليوم التالي، قصفت الطائرات الإسرائيلية حي "الفاكهاني" في غرب بيروت، وهو ما أسفر عن مقتل 383 من المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين. وفي تلك الليلة، كانت الكاميرات التلفزيونية مرة أخرى في شمال إسرائيل لمتابعة اللقاءات. ولم تكن هناك أية تغطية من لبنان، وإنما مجرد تقارير وإحصاء لجثث العرب! وعندما قُدمت تغطية من لبنان في اليوم التالي، وقف المراسل في نهاية الشارع المقصوف يتحدث عن الدمار الهائل، من دون إجراء أية مقابلة مع أحد، أو سرد أية قصص إنسانية. وفي إسرائيل ظهر الناس، وفي لبنان لم تظهر سوى المباني وأعداد الجثث.

وفي عام 1994، عندما ذبح باروخ غولدشتاين، وهو إرهابي إسرائيلي من أصل أميركي، بدم بارد، 29 مصلياً مسلماً في المسجد الإبراهيمي، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريراً حاولت فيه فهم ما دفع الشاب إلى العنف. ولم تأتِ على أي ذكر لوجوه أو أسماء أو أعمار الضحايا الفلسطينيين. وإنما كان غولدشتاين هو محور القصة، بينما كان ضحاياه غير مرئيين. وبعد أعوام قليلة قتل قنّاص فلسطيني طفلاً إسرائيلياً عمره 3 أشهر. وتصدر الخبر صفحات الجرائد لثلاثة أيام مع صور ولقاءات مع الوالدين المفجوعين. ولكن بعد أيام قليلة، عندما اغتيل طفل فلسطيني عمره ثلاثة أيام على يد قنّاص إسرائيلي، لم تنشر أية صحيفة كبرى الخبر. وإنما ذكر في السطر السابع فقط في قصة خبرية نشرتها "أسوشيتد برس"، من دون أسماء أو لقاءات مع الوالدين. وبدا وكأنه لا أهمية لطفلهم ولا لألمهم.

ولا يزال "شبح الفلسطينيين" أو تجسيدهم يحدد ملامح الصراع في الوقت الراهن. وحتى معظم الأصوات التقدمية في الكونجرس لا يتحدثون عن الفلسطينيين. وبدلاً من ذلك يدافعون عن "حل الدولتين" من أجل الحفاظ على إسرائيل "دولة يهودية ديمقراطية". وتنشر مجموعة ليبرالية موالية لإسرائيل بصفة دورية إعلانات في صفحات كاملة بصحيفتي "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" تدعو إلى "حل الدولتين" استناداً إلى تبرير غريب يتمثل في التهديد الديموغرافي الذي تواجهه يهودية إسرائيل بسبب معدلات المواليد لدى الفلسطينيين.

ولسوء الحظ، لطالما أسهم التقدميون من دون وعي في ذلك، بإخفاقهم في دعم "إنسانية الفلسطينيين"، وتركزت جهودهم على إدانة السياسات الإسرائيلية (والتي تستحق الإدانة من دون شك)، والدعوة إلى المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد إسرائيل. وأخشى أن يصبح الهدف هو معاقبة إسرائيل، وليس دعم وضع الفلسطينيين.

وبذلك تبقى المشكلة، وهي أن الأميركيين لا يعرفون الفلسطينيين كأشخاص حقيقيين، ونتيجة لذلك، لا يكترثون لأمرهم. ولأننا لا نزال نواجه ذلك التحدي، فإنني قررت أنه بعد 100 عام على وعد بلفور، و70 عاماً على التقسيم، و50 عاماً على حرب 1967، سأعود إلى جذوري لأحكي الحكاية الفلسطينية. وربما يجد البعض في ذلك تهديداً، لأنه يمثل تحدياً للمعادلة العنصرية الأساسية التي حددت ذلك الصراع على مدار قرن.. فليكن ذلك إذن!

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر