اللغة : العربية

الاضطرابات في الخليج

29 كانون الأول / ديسمبر 2016

مجلس التعاون الخليجي
مجلس التعاون الخليجي

مركز دراسات الأمن القومي

بقلم: يوآل جوزنسكي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

منذ ظهور الجمهوريات في العالم العربي شكّك الكثيرون بقدرة الممالك العربية عامة على البقاء، والممالك الخليجية على وجه الخصوص. تزايدت الشكوك أكثر في أعقاب الاضطرابات الإقليمية، لكن وعكس التوقعات يبدو ان هذه الأنظمة تتمتع بالصمود والقدرة الفائقة على البقاء أكثر من قدرة الأنظمة الجمهورية العربية.

الممالك في الخليج - عدا عن كونها لا تعاني من المشاكل البنيوية ثقيلة الوزن - عرفت إلى الآن كيف توائم نفسها مع التغييرات التي ضربت المنطقة، من دفع ثمن الاضطرابات إلى الآن كان على وجه الخصوص حكام مثل بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر ومعمّر القذافي في ليبيا وعلي عبد الله صالح في اليمن. حروب أهلية دموية ما تزال دائرة في سوريا والعراق، قادة المظاهرات الذين دشنوا العملية التي انتهت بانهيار الأنظمة الجمهورية لديهم مواصفات مشتركة، فجميعهم شباب متحضرون ومن ذوي الشهادات العلمية، في العقود السابقة كانت هذه مزايا الأشخاص الذين عملوا في إطار المنظمات الأكثر مدنية مع الملوك، نماذج إيران 1979 وقبلها مصر 1952 والعراق 1958 تقول بأن الأمم تستطيع ان تدير ظهرها للملوك الذين يحكمونها، انتقال أحداث الشغب إلى البحرين مطلع العام 2011، وبمستوى أقل إلى عمان، أشار إلى ان إمكانية عدم الرضى التراكمي سينتقل أيضًا إلى الدول الأكثر ثراءً في الخليج، والتي فيها عدد كبير من السكان من جيل الشباب الذين يعانون من منسوبات بطالة مرتفعة، ومن عدم تكافؤ

الفرص في سوق العمل، ومن أنظمة حكم استبدادية غير منفتحة على الإصلاح السياسي؛ هذه هي الظروف التي تصدرت أساس الثورات في أماكن أخرى من العالم العربي، لكن في الظاهر فإن الممالك في الخليج تختلف عن الجمهوريات التي وقعت فيها الثورات، كما انها هي ذاتها غير مصنوعة من جنس واحد، وكل واحدة منها مختلفة عن اخواتها من بين الكثير من الأمور في وضعها الداخلي.

الاحتجاجات في الخليج عُبر عنها بطرق مختلفة، بما يتناسب والطابع الخاص لكل دولة، بدءًا من أعمال الشغب العنيفة في دول الخليج الأكثر فقرًا (البحرين وعمان)، ومرورًا بالمعارضة الأكثر وعيًا من خلال الانترنت في الدول الأكثر ثراءً (مثل الامارات المتحدة والعربية السعودية)، لكن في جميع الحالات اضطرت الأنظمة الحاكمة للرد بوسائل قمعية قوية أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي فقد انقضمت - ولو قليلًا - شرعية العائلات الحاكمة.

البحرين تواجه مشاكل اقتصادية ضاغطة تؤثر على قدرتها على توفير احتياجات المواطنين، المعارضة في هذا البلد تمثل الأغلبية الشيعية، بينما الأقلية السنية التي تحكم الدولة تخشى من ان الخطوات الديمقراطية ستؤدي إلى طغيان الأغلبية. كانت البحرين الدولة الملكية الوحيدة التي شهدت احتجاجات واسعة النطاق على خلفية الاضطرابات الإقليمية، ولكن وحتى هناك استخدم النظام عنفًا أقل من ذلك الذي شوهد في الجمهوريات العربية التي انهارت أنظمة الحكم فيها، أضف إلى ذلك في البداية عمومًا لم يطالب المحتجون في البحرين بتغيير النظام كما فعل المحتجون في الجمهوريات.

المظاهرات الشعبية التي أدت إلى سقوط بن علي في تونس ومبارك في مصر شكلت إلهامًا لتصعيد الانتفاض في وجه عائلة آل خليفة التي تحكم في البحرين، المظاهرات ضد آل خليفة - في البداية كانت من قبل السنة والشيعة على حد سواء - جعلتها تعلن عن حالة الطوارئ في الدولة، والتي بدأت في مارس 2011 واستمرت حتى يونيو من نفس العام. إلى الآن فشلت جميع المحاولات الداعية إلى حوار سياسي في الدولة، وسيما كون الأصوات التصالحية أسكتها المتطرفون من كلا الجانبين. وقت كتابة هذه السطور لم يبقَ سوى فرصة ضئيلة للحل السياسي القابل للحياة في البحرين التي تتميز بعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، التهديد المباشر لحكم عائلة آل خليفة زال مؤقتًا إذًا بفضل التدخل العسكري لكل من العربية السعودية والامارات المتحدة، لكن رفض الإصلاحات واحتجاز المعارضين خلف القضبان تبعد إلى حد كبير النخبة الحاكمة للجزيرة عن الشعب ومطالبه.

يبدو أن الحملة المتواصلة للحكم في البحرين - التي مفادها بأن المعارضة في البلد تخدم في الأساس المشاريع الإيرانية التي تستهدف العالم العربي - لم تفلح في تحقيق الهدوء المرجو، والدليل على ذلك هو المظاهرات التي اندلعت في المملكة في فبراير 2016 بذكرى ثورة "ميدان اللؤلؤة"، المظاهرات التي رافقها صدامات كثيرة بين المواطنين وقوات أمن النظام، وفي ذلك ما يشهد بأن العائلة المالكة في البحرين تجد صعوبة في أن تؤسس مجددًا لشرعيتها؛ لذلك من غير المستبعد الافتراض بأن عائلة آل خليفة ستكون الأولى من بين العائلات الملكية في الخليج التي ستعزل في ثورة يقوم بها المواطنون.

في عمان اندلعت عام 2011 مظاهرات في مدن مسقط وسحر وصلالة، لكن قوات الأمن نجحت في قمعها، في الإعلام المحلي قيل ان أسبابًا اقتصادية تقف من وراء المظاهرات، رغم ان المتظاهرين طالبوا أيضًا بتوسيع صلاحيات مجلس الشورى (مجلس استشاري منتخب، ولكنه ليس تشريعيًا) والقضاء على الفساد، استجابة لهذه المطالب اتخذ السلطان قابوس عددًا من الخطوات منها عزل وزراء ومسؤولين في الأجهزة الأمنية وتقديم صلاحيات أوسع للمجلس، إضافة إلى ذلك زادت الحكومة الميزانية العامة وخلقت فرص عمل كبيرة في القطاع العام. من حينها لم تجرِ في عمان أية مظاهرات، لكن المزاج العام في البلد مزاج ترقب وانتظار لما هو قادم، وعود نظام الحكم، وسيما فيما يخص بمحاربة البطالة، لم يوفّ بها كاملة بعد، ويجري حوار واسع حول إجراء تغييرات على توزيع ثروات البلاد؛ الثروة القائمة أساسًا - ومن بين الكثير من الأمور - على المنح التي تقدمها الامارات المتحدة والعربية السعودية. هناك اضطراب متزايد في أوساط حركات الشباب، وسيما في أعقاب اعتقال عدد من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي ممّن اتهموا بقذف الحاكم العجوز قابوس، بينما مواطنون آخرون كثيرون قلقون بشأن الفراغ الذي من شأنه أن يترك مستقبلًا بعد موت الحاكم، ومن بين الكثير من الأشياء هناك تخوف من ان يضع موت قابوس حدًا للإصلاحات الضرورية لتقدم الدولة.

الكويت هي دولة ذات كثافة سكانية منخفضة وغنية بالموارد، الثقافة السياسية فيها تسمح، بل وتشجع على انتقاد نظام الحكم، والمواطنون لديهم توقعات كبيرة، وسيما من حكامهم، عائلة آل صباح تعتبر نفسها بشكل تقليدي "الأولى بين أقرانها"، المعارضة في الكويت تتضمن شباب يبحثون عن التمثيل وحركات إسلامية (مثل الاخوان المسلمين والسلفيين) وزعماء القبائل من المناطق الطرفية، أعضاء البرلمان المنتخبين يزعمون بأنهم تقريبًا غير مستوعبين في عمليات صنع القرار، وأن الأمير في جميع الأحوال يحتفظ لنفسه بحق إلغاء البرلمان.

الامارات المتحدة رغم القوة التي لديها تصاعدت مطالب بإصلاحات نظام الحكم، وردّت حكومة الامارات المتحدة باعتقال عشرات نشطاء حقوق الانسان ونشطاء المعارضة ووقف عمل منظمات غير حكومية دولية، وبالسيطرة على منظمات مدنية محلية مختلفة.

العائلة المالكة السعودية أيضًا تمنع الاحتجاجات العلنية، وتأسر نشطاء يؤيدون التحول إلى مملكة دستورية، القرآن (الكريم) يعتبر دستور العربية السعودية، وأي دستور آخر يعتبر كفرًا. تجدر الإشارة إلى انه وبخلاف العربية السعودية فقد اعتمدت الكثير من ممالك الخليج - بطريقة أو بأخرى - دستورًا. في القطاعات المدنية بالمملكة العربية السعودية تنشط حركات معارضة شيعية، هؤلاء لم يحظوا بتأييد شعبي خارج السكان الشيعة المحليين، مظاهرات واسعة للطائفة الشيعية في المناطق الشرقية من العربية السعودية اندلعت في توقيت واحد ودفعة واحدة مع أعمال الشغب في البحرين، وكانت هي الأعنف والأكثر استمرارًا في تاريخ العربية السعودية إلى يومنا هذا، أعمال شغب اندلعت أيضًا في مناطق أخرى من العربية السعودية، لكن هذه الأحداث ظلت فردية ولم ترقَ لتندمج بتنسيق جماعي.

العربية السعودية فيها تعداد سكاني كبير مقارنة بجاراتها (30 مليون نسمة، الكثيرون من بينهم عمال أجانب)، وبين مقاطعاتها المختلفة توجد فجوات اقتصادية كبيرة، تعمل فيها مجموعات معارضة كثيرة لكنها منقسمة للغاية، رغم هذا الانقسام إلا ان خطر اندلاع العنف السياسي في العربية السعودية في السنوات القريبة القادمة هو خطر كبير للغاية مقارنة مع خطر حدوث ذلك في ممالك الخليج الأخرى. في الماضي كان واضحًا أن الولايات المتحدة تسارع إلى مساعدة النظام السعودي في التغلب على أي أزمة بسبب المكانة المركزية التي احتلها النفط السعودي في السوق الدولي، لكن في أعقاب عزل سوق النفط الدولي - بفضل نضوج تقنية استخراج النفط من مخلفات الزيوت - فقد النفط السعودي الكثير من أهميته، اليوم من غير الواضح إطلاقًا إذا ما كان الغرب عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا، سيسارعون إلى مساعدة النظام السعودي أيضًا في حال علق بأزمة خطيرة، وفي حال يصبح استمرار بقائه موضع شك.

في كل ما يخص السياسة الداخلية والضغوطات الاقتصادية؛ قطر والامارات المتحدة هما الأكثر استقرارًا من بين ممالك الخليج، لكن فقدان الأمن الداخلي يشجعهما على التدخل في الصراعات الإقليمية. تتمتع قطر بثراء كبير بفضل حقول الغاز الطبيعي في داخل حدودها، وهذا الثراء موزع بين القليل من المواطنين: أقل من 300 ألف (2 مليون مواطن آخر يعيشون في الدولة هم عمال أجانب). نجحت المملكة في التملص من الانتفاضات الشعبية، رغم انه في الدوحة أيضًا سمعت أصوات بعدم الرضى، على سبيل المثال من فقدان الهوية القطرية في ظل العدد القليل من السكان من المواطنين القطريين الأصليين.

السلطة في قطر ردّت بتشنج كبير على أعمال الاحتجاج الثانوية، مثلًا اعتقل الشاعر محمد العجمي فقط لأنه نشر قصيدة امتدح فيها "الربيع العربي" وتونس التي بدأته، حوكم بسبب قذفه حاكم قطر في ذات الوقت حمد بن خليفة الثاني، وفي أواخر العام 2012 حكم بالحبس مدى الحياة، في العام 2013 خفف حكمه لخمسة عشر سنة، وفي العام 2016 حظي بإعفاء من الحاكم الحالي تميم بن حمد الثاني. في البداية لم تغطّ الجزيرة هذا الحدث، وفيما بعد كانت تغطيتها محدودة ومغرضة، وبعد محاكمة العجمي أيضًا - التي أثارت احتجاجًا في أوساط نشطاء حقوق الانسان في العالم - تم اعتقال نشطاء سياسيين في قطر.

في واقع يواصل فيه المواطنون التمتع بمستوى معيشي مرتفع جدًا، ومن ناتج قومي عالٍ - بفضل ثراء قطر بالغاز الطبيعي - هناك فرص خفيضة للاحتجاجات الواسعة النطاق والشروخ السياسية في أوساط السكان. رغم ذلك فالمثقفون لا يترددون بإسماع آرائهم، وحركات الشباب تواصل العمل بروح التوجهات الإقليمية التي تشمل مجموعات نقاشية على الانترنت، من بين الكثير من القضايا قضية شرعية النخبة الحاكمة.

إلى وقتنا هذا نجت دول الخليج من أعمال الشغب التي أغرقت الشرق الأوسط، وحتى في البحرين الاضطرابات محدودة وقوة العائلة الحاكمة لم تتضرر، في ذات الوقت فإن عددًا من دول الخليج لم تنجُ فقط من الأزمة؛ وإنما أصبحت في أعقابها دولًا إقليمية عظمى ذات تأثير دولي وقادت الاستجابة لمختلف الأزمات الإقليمية، تدخلها هو دليل على الموقف الجديد والفاعل في محاولة تقليل انعكاسات "الربيع العربي" وتحريكها وفق احتياجاتها.

في الوقت الحالي يبدو أن تغييرًا متوافقًا بشأنه لنظام الحكم لم يخرج حيز التنفيذ في ممالك الخليج، إذ ان الأسر المالكة فعلًا تخشى من ان تغييرًا كهذا سيؤدي إلى إضعافها، ورغم هذا كله هناك خطوات تغيرية في ممالك الخليج أيضًا - وان كانت بطيئة للغاية - لكن يجب الأخذ بالحسبان ان عمليات التغيير بطبيعتها ليست منهجية ولا متسلسلة؛ فأكثر من مرة وبعد فترة من التقدم يكون هناك فترة من التراجع، كذلك يجب الأخذ بالحسبان ان التغييرات في أغلبها تتقدم في المؤسسات غير الرسمية مثل المنظمات الاجتماعية المختلفة، والتي هي في بعض الأحيان ذات قوة كبيرة - بل ربما أكبر بكثير - من بقية المؤسسات الرسمية.

الموضوع المركزي الماثل أمام دول الخليج هو تحديث العقد الاجتماعي خاصتها ومواءمته مع الواقع الاقتصادي، المعضلة التي تواجه صناع القرار في دول الخليج هي اختلال التوازن بين الموارد المكرسة للمحافظة على الاستقرار السياسي وبين القدرة الاقتصادية في الواقع، على الأسر المالكة ان تعترف بأن سياسة توزيع الثروة لم تعد تناسب الواقع الاقتصادي الحالي. في ذات الوقت استمرار هذه السياسة يضر بفرصة إنجاز الأهداف الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد؛ وعليه فأنماط التطور الاقتصادي الحالية أيضًا وأنماط استهلاك الطاقة المتزايدة تعرض النموذج السياسي الذي نجح في تحقيق الاستقرار في دول الخليج في العقود الأربعة الأخيرة للخطر.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن رأي صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر