اللغة : العربية

قرار مجلس الأمن: انتصار سياسي ومعنوي هام

25 كانون الأول / ديسمبر 2016

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات 

كفّ مجلس الأمن الرنان أصاب نتنياهو وقادة إسرائيل بالجنون، وأفقدهم التوازن واللياقة السياسية، فانطلقوا كالكلاب المسعورة يهددون ويفرضون العقوبات، مطلقين سيلًا من الاتهامات وصفت أوباما بالخائن، وبالذي تخلى عن إسرائيل وكشف وجهه الحقيقي، ووصفت القرار بالمخزي والمشين، ودول العالم بممارسة النفاق، ومهددين بالرد القاسي على كل من يقف ضد إسرائيل، وهو تهديد ترجم فورًا، وبعضه قد يترجم لاحقًا، ربما عندما يدخل ترامب إلى البيت الأبيض.

فورًا أصدر نتنياهو أوامره بإعادة سفير تل أبيب من السنغال ومن نيوزيلاندا للتشاور، ووقف المساعدات المقدمة للسنغال وعدم استقبال وزير خارجيتهم، في زيارته التي كانت مقررة بعد أسبوعين، وكذلك عدم استقبال رئيس وزراء أوكرانيا عقابًا على تصويت بلاده لصالح القرار، كما أمر نتنياهو بوقف تمويل 30 مليون شيكل لمؤسسات الأمم المتحدة، ودراسة الموقف من التعاون مع بقية مؤسسات ولجان الأمم المتحدة.

وعلى الجبهة الفلسطينية كان القرار الفوري بوقف جزئي للاتصالات مع السلطة، ومنح الضوء الأخضر لوزير الأمن ليبرمان بتقليص التعاون مع السلطة ودراسة ردود فعل عقابية دون المساس بمنظومة التنسيق الأمني، لكن الاخطر هو تلك المؤشرات الكبيرة التي تشي بتوجههم لبناء آلاف الوحدات السكنية في مدينة القدس، والاندفاع نحو تعزيز الاستيطان والضم.

في إسرائيل وصفوا القرار بالقاسي والأحادي والخطير الذي يمهد لنبذ إسرائيل في الساحة الدولية، ويخلق بيئة مؤاتية لتفعيل وتحريك الملفات في المحكمة الدولية، وبأنه لا يميز بين حائط البراق وحارة اليهود في القدس وبين المستوطنات في عمق الضفة، لكن مع ذلك يبقى رد الفعل المجنون لنتنياهو وحكومته غير مفهوم قياسًا بالتناسبية، فالقرار مع أهميته لم يفرض عقوبات، ولم يشرع لحصار إسرائيل، ولم يطالبها بالانسحاب فورًا أو تفكيك المستوطنات، ولم يعترف بالدولة الفلسطينية، ولم يصدر تحت البند السابع ملزم التنفيذ، وصدر تحت البند السابع غير الملزم؛ لكن الجنون الإسرائيلي هو جنون المجرم الذي كان يشعر بأنه محصن عن أي مساءلة لأي جريمة بفعل حمايته من رأس الإجرام وغروره ان قوته ونفوذه مكنته وحصنته، وفجأة في لحظة من لحظات العدل النادرة والاستثنائية ينكشف كم هو مكروه ومنبوذ وضعيف وعار، نعم الصفعة مدوية ليس لشدتها؛ بل لأنها ضربت من أصابه غرور وجنون القوة والنفوذ، بحيث انه لم يعبأ أبدًا بالقانون الدولي ولا بالشرعيات والثوابت الدولية عندما استهتر بالقانون الدولي، وتجرأ بوقاحة ليضع أصابعه في عيون المجتمع الدولي عندما شرعن البؤر الاستيطانية بما يتناقض ليس فقط مع القانون الدولي، بل وأيضًا مع قانون الاحتلال ذاته، فشدة إحساسهم بالصفعة هي من شدة إحساسهم بالغرور وفتونهم بالقوة.

أمريكا أوباما - التي ظلت طوال ثماني سنوات راعية للإرهاب الإسرائيلي ومدافعة عنه في مختلف الساحات، حريصة على زيادة تأمين تفوقه وتأمين يده الطولى، متصدية لأبسط مطالب وحقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك إفشال كل الحراك الفلسطيني في مجلس الأمن مستخدمة نفوذها وتهديداتها للدول والمؤسسات الدولية، وفي نفس الوقت تغض النظر وتبلع كل الإهانات التي كان يوجهها نتنياهو وأقطاب حكومته لأوباما وكيري على المستوى السياسي والشخصي، وتحت ضغط اللوبي الصهيوني تنازل أوباما عن خطابه في الأمم المتحدة، والذي كان يفترض بأن يكرس موروثه السياسي فيما يتعلق بتسوية الصراع ورؤيته لحل الدولتين - وجدت نفسها أمام جنون نتنياهو الاستيطاني في نسخته الأخيرة الخاصة بمستوطنة "عمونا" وتشريع ضم البؤر المقامة على أراضٍ مملوكة فلسطينيًا، جنون رفضه المستشار القانوني للحكومة الذي عينه نتنياهو، جنون يصفه نتنياهو نفسه قبل أسابيع بأنه سيعرض إسرائيل للإدانة في مجلس الأمن وسيعرضها للمحاكم الدولية؛ الأمر الذي لم يكن بوسع أمريكا أوباما إلا أن تمنح الضوء الأخضر لمجلس الأمن بإدانة السياسات الاستيطانية، هذا الدافع جاء على لسان مندوبة أمريكا في مجلس الأمن سمانتا باور، في سياق تبريرها للموقف الأمريكي بالامتناع عن التصويت.

بغض النظر عن تهديدات ترامب بإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وعن كونه قرارًا بلا أنياب؛ فان قرار مجلس الأمن 2334 يعتبر انتصارًا هامًا للديبلوماسية الفلسطينية وللمعركة القانونية، ويشكل انتصارًا معنويًا وقيميًا هامًا للشعب الفلسطيني، ويشكل ريح إسناد قوية لمحاكمة إسرائيل على جرائمها ونبذها ومقاطعتها، فهو - سوية مع التوصية الاستشارية للمحكمة الدولية الخاصة بجدار الفصل - يشكل مرجعًا قانونيًا مهمًا وبيئة حاضنة ذات قيمة عليا لتفعيل كل أشكال المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية والتضامنية الدولية ضد الاحتلال الاستيطاني، سواء في القدس أو في بقية أراضي الضفة.

البعض الذي يقلل من أهمية القرار يصفه بأنه مجرد قرار آخر يشبه بعض القرارات السابقة، ولكن في ذلك تجاهل لبعض الحقائق؛ أولًا: القرار يصدر وقد تم الاعتراف بفلسطين كدولة في مؤسسات الأمم المتحدة، الأمر الذي يمنحها القدر على تفعيل القرار وترجمته في المحاكم والمؤسسات الدولية، أي بإمكان فلسطين الدولة أن تنبت أنيابًا للقرار، وهو ما لم يكن متوفرًا لها عندما صدر قرار مشابه قبل سبعة وثلاثين عامًا. كما ان فلسطين اليوم تملك تجربة ومؤسسات وحاضنة دولية وتملك استراتيجية تمكّنها من المضي قدمًا، لا سيما وإنها - أي فلسطين - وعلى لسان زعامتها الرسمية أسقطت خيار المفاوضات المباشرة برعاية أمريكية كخيار وحيد للتسوية.

ثانيًا: القرار يدعو الدول إلى التمييز في معاملاتها وعلاقاتها مع إسرائيل بين الأراضي المحتلة عام 67، بما فيها القدس الشرقية، وبين إسرائيل، وهي دعوة مباشرة لتفعيل وتبني سياسات مقاطعة المنتجات التي تنتج داخل أراضي الـ 67، ومقاطعة الشراكة والاستثمار مع شركات تعمل داخل الأراضي المحتلة، وهي دعوة غير مباشرة لعدم نقل السفارات إلى مدينة القدس باعتبارها أرضًا فلسطينية محتلة.

ثالثًا: وفضلًا عن إعادة تعريف الأراضي المحتلة عام 67 كأراضٍ فلسطينية محتلة وليست أراضٍ متنازع عليها؛ فالقرار لا يعترف بأي تغييرات ديموغرافية، ويشترط للاعتراف بها ان تتم بموافقة الطرفين، وهو أمر يلغي وثيقة "ضمانات بوش لشارون" عام 2002 التي تقر بوجوب أخذ التغيرات الديموغرافية بعين الاعتبار. بالإضافة لذلك يطالب القرار الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير عن مدى الالتزام بالقرار كل ثلاثة شهور إلى مجلس الأمن، أي ان على الأمين العام ان يكلف لجنة أممية بمتابعة الخروقات الإسرائيلية وتقديم تقرير دولي لمجلس الأمن.

رابعًا: يشكل القرار انتصارًا معنويًا هامًا للفلسطينيين، جاء في ظل ذروة اليأس والإحباط والشعور بالعجز والفشل والهزائم، فكم كنا بحاجة إلى هذا الانتصار لإشعال لهيب ثورتنا وتصليب إرادتنا ومدّنا بالتفاؤل وإلهامنا بالأمل وتجديد طاقاتنا وهممنا وعزيمتنا والانتصار على اليأس والإحباط الذي كادت أنيابه أن تفتك بنا.

وأخيرًا: فمهما كان في القرار من انتصار متأخر للحق الفلسطيني وإدانة للمشروع الاستيطاني وكرت أحمر للسياسات العنجهية؛ فسيظل مجرد قرار وحبر على ورق سيعلوه الغبار في الأدراج، ولن يبقى منه سوى رقمه الذي سيستخدم لأغراض الإشارة إليه والتذكير به، إن لم نستطيع نحن الفلسطينيون ان نتعامل معه ونوظفه بنجاعة ومثابرة ونترجمه إلى استراتيجيات وسياسات يومية وبرنامج عمل دائم ضمن استراتيجية شاملة تنظم هجومًا مركزًا وواعيًا ضد الاحتلال في مختلف الجبهات، وحتى يتحقق لنا ذلك بأعلى مستوى من الكفاءة؛ لابدّ من إعادة تنظيم بيتنا وإعادة اللحمة بين صفوفنا على قاعدة بناء نظام سياسي وطني ديموقراطي موحد يمكّننا من إنهاء الانقسام.

انشر عبر