اللغة : العربية

رسائل "عمونا" لا تبقي لنا سوى خيار الهجوم

21 كانون الأول / ديسمبر 2016

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات

قبل أيام تلقى نتنياهو اتصالًا هاتفيًا في منتصف الليل من مستشاره لشئون الاستيطان، فخرج مسرعًا من بيته باتجاه مكتبه لنقاش ما سمّى بالاقتراح الذي يمهد لحل أزمة مستوطنة "عمونا" الذي توصل إليه المفاوضون. استمر اللقاء الذي حضره - بالإضافة لنتنياهو - زعيم "البيت اليهودي" بينيت وممثل المالية وممثلي المستوطنات والمستشار القانوني، حتى الصباح، وفي صباح ذلك اليوم كان العنوان الرئيسي لكل وسائل الإعلام يعلن توصل الحكومة ومستوطني "عمونا" إلى حل ودي ينهي الأزمة، وظلّت الحكومة على أعصابها تنتظر بفارغ الصبر أن تقبل العائلات الأربعون المقترح في تصويت علني، وهو ما تم فعلًا.

كلّ من الحكومة والمستوطنين كانوا في صراع مع الوقت، حيث ان قرار محكمة العدل العليا الاسرائيلية - الصادر منذ سنوات، والذي تم تأجيله أكثر من مرة بطلب من الحكومة بغية التهرب من تنفيذ القرار - يقضي بتفكيك البؤرة الاستيطانية المسماة "عمونا" والمقامة على أراضٍ خاصة فلسطينية، والتي يطالب الملاك الفلسطينيون باستعادة أراضيهم، في 25 ديسمبر من العام الجاري كتاريخ نهائي.

الحكومة من جهتها تدرك أنها ملزمة هذه المرة بتنفيذ القرار، ولا يمكنها التملص أو التهرب، وبالنسبة لنتنياهو فالأمر محرج وصعب وأخطر حتى من الملف الإيراني، فهو زعيم المستوطنين ويستند في حكمة على اللوبي الاستيطاني، سواء داخل حكومته وداخل حزبه أو من خارجهما، وأي صدام مع المستوطنين سيضر به وبحكومته أشد الضرر، وسيلحق أشد الضرر بالمشروع الاستيطاني؛ الأمر الذي جعله يعطي أقصى ما لديه من جهد ووقت ومال في سبيل تحقيق أمرين؛ الأول: تنفيذ أمر المحكمة، والثاني: إرضاء العائلات الأربعين ومجموع المستوطنين، ويلخص نتنياهو ذلك قائلًا في اجتماع الحكومة "عقدنا عشرات المداولات، طرحنا الكثير جدًا من العروض، بعضها خارج العلبة، عروض إبداعية جدًا. فعلنا هذا انطلاقًا من محبة الاستيطان، تمامًا هكذا. فعلنا الحد الأقصى".

الحل الذي قبله المستوطنون يعتبر انتصارًا مطلقًا وكبيرًا للمستوطنين بحسب "هآرتس"، فهو يمنح كل صاحب كرفان مبلغ مليون شيكل، وتعويضه ببناء بيت على قطع أخرى على نفس الجبل، لأربعة وعشرين عائلة، والعائلات الأخرى سيتم استيعابها في منطقة قريبة، وسيتم لاحقًا بناء مستوطنة جديده لهم. وتقول "هآرتس" أنه "ليس أقل من 130 مليون شيكل ستخصص لإخلاء وإعادة إسكان 40 عائلة، استوطنت عن علم وبنية مبيتة على أرض خاصة مسروقة. العقل لا يحتمل تخصيصًا لهذا القدر الكبير من المال والجهد كإثابة على فعلة زعرنة".

أما الكاتب برنياع فينتقد بشكل خاص الائتلافات الحكومية وقادة وزارة الأمن والعدل وموظفي الدولة "الذين شجعوا وسمحوا بطرق مختلفة بنمو الاستيطان وسرقة الأراضي والاستهزاء بالقانون، ممّا جعلنا نملك بلادًا جديدة ونفقد الدولة".

بالمقابل الكاتب اليميني درور ايدار يلخص جوهر الصراع على كرفانات "عمونا" بـ "ان الصراع على عمونا هو طرف جبل الجليد للصراع على كل البلاد، والصراع هو على مستقبلنا وعلى الشعب الذي عاد إلى صهيون، هو صراع قومي حول حق الشعب اليهودي في العودة إلى بيته".

بيد ان الربح الأكبر للمستوطنين ولممثليهم لا يكمن فقط في المكاسب المتعلقة بالبؤرة الاستيطانية غير القانونية بالمعايير الاسرائيلية المسماة "عمونا"؛ بل ان المكسب الأهم لهم يكمن في نجاحهم بتشريع قانون شرعنة البؤر الاستيطانية، الذي خصص لتعويض المستوطنين عن فقدان "عمونا" بتعويضهم بتشريع بقية البؤر غير القانونية التي لم يصدر ضدها قرار بتفكيكها من المحكمة العليا، حيث يتم تحصينها بقانون يحميها من أي مطالبات قانونية مستقبلية. ويصف بينيت أهمية هذا التشريع "شكرًا لمنظمات اليسار التي كثفت لسعاتها لنا كهجوم البعوض الذي لا ينقطع، فاضطرنا ان نرد الهجوم بتجفيف مستنقع البعوض في هجوم قوي مضاد"، وبهذا المعنى فإن مستوطني "عمونا" أخذوا المال وظلوا على الجبل وشرعنوا بقية الاستيطان. الربح الكبير الآخر - وربما الأهم على المستوى السياسي - ان الصراع على "عمونا" ومخرجاته على مختلف أوجهها يقول ان المشروع الاستيطاني نجح في نيل شهادة تأمين بقائه ومستقبلة طالما كان ذلك مرهونًا بالسجالات الإسرائيلية - الاسرائيلية أو بالضغوط الدولية، فلم يعد إسرائيليًا ممكنًا وضع علامة استفهام حول مستقبل الاستيطان، وبات الجميع الإسرائيلي مقتنعًا تمامًا بأنه لا يمكن الحديث عن تفكيك المستوطنات، ولا توجد حكومة تجرؤ على التفكير في ذلك، ولا توجد قوة إسرائيلية قادرة على تفكيك مستوطنة كبيرة واحدة.

هذا الأمر وجد ترجمته وتعبيره الكبير لدى واحد من أهم نخب اليسار الإسرائيلي، الكاتب والروائي أ. ب. يهوشع، ففي عيد ميلاده بعد الثمانين أعلن عن يأسه من حل الدولتين، معتبرًا ان الأمر بات مستحيلًا في ظل وجود أكثر من أربعمائة وخمسين ألف مستوطن في الأراضي التي يفترض أن تكون جزءًا من الدولة الفلسطينية، واعتبر ان مشروع الاستيطان قضى على حل الدولتين، مقترحًا دولة ثنائية القومية بشكل تدريجي، حيث يتم منح سكان منطقة (C) من الفلسطينيين، والذين يقدرّون - بحسب يهوشع - بتسعين ألف نسمة، مواطنه إسرائيلية كاملة، ولاحقًا يتم بحث مستقبل سكان مناطق (A) و(B). بمعنى آخر فإن بعض نخب اليسار الإسرائيلي باتت تلتقي سياسيًا مع ما يطرحه اليمين الإسرائيلي من ضم للأراضي والسكان، وهذا ما قاله بينيت، حيث أعلن ترحيبه بأقوال الكاتب يهوشع، قائلًا "أرحب بتبني اليسار لمواقف البيت اليهودي".

المشروع الاستيطاني كسب في الفترة الأخيرة أصدقاء مهمين ومؤثرين جدًا، فتعيين ديفيد فريدمان سفيرًا لأمريكا في تل أبيب يعتبر دعمًا كبيرًا لمشروعهم، وهو اليهودي الصهيوني اليميني الذي أعلن عن دعمه علانية للاستيطان، ورفضه لحل الدولتين، ويعتبر تفكيك مستوطنات "غوش قطيف" أضر بالأمن الإسرائيلي، ولا يبدو أن من عيّن فريدمان يجهل هذه الحقائق عنه، كما ان إدارة ترامب وتعييناته للوظائف العليا في إدارته تعطي مؤشرات قوية على ان الحقوق الفلسطينية أو ما تسمى بثوابت الشرعية الدولية وثوابت المواقف الأمريكية الرسمية لا تتصدر اهتماماته، وليس لها مكانة في ظل أولوياته الخاصة بالتوافق مع الجناح الصهيوني اليميني.

بات من الواضح أن ما حملته رسائل "عمونا" والبيئة السياسية الإسرائيلية وما يرافقها من سياسات دولية؛ تؤكد بوضوح شديد أن مشروعنا (مشروع الدولة على أراضي الـ 67) إن لم يكن يحتضر، فهو في حالة صعبة ولم يعد ممكنًا إنقاذه، بغير الهجوم المركز والقوي والفاعل والمخطط، وأن أي اعتبارات أخرى تضعف الهجوم ستساعد في تعزيز الاستيطان وتثبيته أكثر كواقع يوازي الواقع الفلسطيني، مهددًا هويتنا الوطنية.

فليس لدينا رفاهية الاختلاف أو تجريب هوامش سياسية أخرى تعطل هجومنا الشامل، وكل تعطيل هو إسهام غير مباشر في ضياع ما تبقى من مشروعنا.

انشر عبر

متعلقات