اللغة : العربية

بين الحصانة والثورة: استقرار الأنظمة الملكية في الخليج

19 كانون الأول / ديسمبر 2016

مجلس التعاون الخليجي
مجلس التعاون الخليجي

مركز دراسات الأمن القومي

بقلم: يوآل جوزنسكي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

التعقيدات الإقليمية كانت بمثابة العامل المصمم الأهم في الشرق الأوسط في السنوات الاخيرة. بعض الأنظمة انهارت خلالها وبعضها تعيش أو توشك أن تعيش خطر الانهيار، لكن أي واحدة من بين الممالك العربية الست في الخليج لم تسقط بعد. واحدة من بينها فقط، وهي البحرين، شهدت - ويمكن القول بأنها ما تزال تشهد - خطرًا يُهدد استقرار النظام فيها. مناقشة موضوع استقرار الممالك عمومًا، واستقرار ممالك الخليج على وجه الخصوص، بدأ قبل اندلاع الاضطرابات بوقت طويل، لكن على ضوء الأحداث الدائرة في المنطقة أصبح ذا صلة أكثر من ذي قبل.

هناك من سوف يقول إن الوقت الذي انقضى منذ اندلاع الأحداث، وممن قبلوا بتسمية "الربيع العربي"، انه ليس طويلًا بما يكفي للحكم على أهميتها التاريخية، وسيما على ضوء الحقيقة أنها في بعض الساحات لم تنتهِ بعد. ولكن المحللون وصناع السياسات لا يستطيعون أن يسمحوا لأنفسهم شرف الانتظار إلى أن تكون للمؤرخين وجهة النظر المناسبة لدراسة الأحداث. إضافة إلى ذلك، الأنظمة الملكية في الخليج قد وقفت في الماضي أمام تهديدات أحاطت باستقرارها ونجت منها. ويمكن بناء على ذلك أن تستخلص العبر من تجربتهم هذه والوقوف على أسباب صمود الممالك في الخليج. وأخيرًا، الفترة الزمنية التي انقضت منذ بدء الأحداث تعطينا أدلة كثيرة فيما يخص سبل مواجهة الأنظمة الملكية في الخليج للاضطرابات الإقليمية؛ وهذه الأدلة تُخبرنا عن قدرتهم على الوقوف في المستقبل أيضًا في وجه الاهتزازات.

دول الخليج العربية (العربية السعودية والامارات المتحدة وقطر والكويت وعمان والبحرين) لم تشهد الاحتجاجات بكامل قوتها. في قطر، التي يتمتع المواطنون فيها بدخل الفرد الأعلى في العالم، لم يجد المواطنون عمومًا سببًا للاحتجاج. الحكم في الإمارات المتحدة داس بقدمه الصلبة ما تبقى من المجتمع المدني، وسيما ذلك المحسوب على الإسلام السياسي، قبل أن تبدأ فيها أي احتجاجات حقيقية. عُمان، التي قد تجد نفسها في أزمة توريث بموت السلطان قابوس بن سعيد، شهدت انفجارًا قصير الأمد وموضعي وردت بقمعه؛ ولكن أيضًا بأشكال موضعية. في العربية السعودية، تتركز الاحتجاجات بشكل أساسي في القطاع الشرقي الشيعي في أغلبه، وتقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي. الاحتجاجات المتواصلة في الكويت تعكس تراثًا راسخًا من النشاطات الاجتماعية والاحتجاجات السياسية التي سبقت اندلاع الاضطرابات الإقليمية. البحرين فقط، ما تزال تواجه عدم الهدوء المتغذي على التوترات الطائفية.

منظرون رواد نعوا الأنظمة الملكية قبل حوالي نصف قرن بزعم أنها بالية ولن تنجح في الوقوف أمام رياح التقدم والتغيير. كبير المنتقدين كان هو صامويل هنتنجتون، حسب ما ورد في "معضلة الملك" من تأليف هنتنجتون، لكي يبقي على قوته سيضطر الملك إلى استخدام أدوات القمع ويتخلى بشكل جزئي عن خطوات العصرنة؛ اذ أنه لو ركز فعلًا على تقدم الدولة سيخاطر بكرسييه. هنتنجتون زعم أيضًا نهاية ستينات القرن العشرين أن الحديث يدور عن وضع لا يمكن إدارته؛ لذلك فإن نهاية الممالك التقليدية أن تنتهي من العالم.

دانيال ليرنر كان قد كتب في نهاية خمسينات القرن العشرين أن غالبية المجتمعات في الشرق الأوسط ستمر بعدة مراحل: التحضر، وتعلم القراءة والكتابة، والاطلاع على الإعلام الشعبي، وأخيرًا الرغبة في المشاركة في الحياة السياسية. زعم أن خطوات اجتماعية كثيرة وسيما في المدن، إلى جانب صعود قوة الاعلام الشعبي، ستُحدث تغييرًا في فهم الطبقة الوسطى التي ستصبح أكثر تعلمًا وأكثر واقعية وفي نهاية الأمر ستُصر على مشاركتها في السياسة بشكل فاعل.

في العام 70 من القرن العشرين وثّق فرد هوليدي ظهور الحركات القومية والمناهضة للإمبريالية في دول الخليج (بما في ذلك اليمن) وزعم أن هذه الحركات ستتعزز قوتها إلى أن تُحدث ثورة على الحكم. كتاب هوليدي قام على أساس بحث شامل جرى في منطقة طفر في عُمان وأصبح المصدر الأشهر في تلك الفترة. في الكتاب يجري تشريح السكان غير المتقدمين في عُمان، وتنبأ الكتاب بنجاح ثورة مسلحة في المنطقة برعاية امبريالية. وصف هوليدي في كتابه الاستغلال ومعاناة السكان المحليين، وزعم أن الثورة المسلحة ستُحدث تغييرًا سياسيًا واسعًا على ممالك الخليج.

الرؤى التفاؤلية فيما يخص صمود الممالك الخليجية لم تكن مذهب الأكاديميين فحسب. في العام 1979 أرسل سفير الولايات المتحدة في العربية السعودية جيمس اكنس برقية إلى البيت الابيض قال فيها أن "السعوديين يتحدثون حاليًا بشكل علني تقريبًا عن نهاية آل سعود وعن أن ثورة عنيفة باتت ضرورية وحتمية".

الحقيقة أن جميع الرؤى تحطمت على صخرة الواقع – على الأقل إلى الآن – ولم تمنع الباحثين من الاستمرار في الزعم أن الممالك في الخليج ليس أمامها إلا فرصًا ضئيلة في مواصلة البقاء.

في السنوات الأخيرة وفور اندلاع الاضطرابات الإقليمية حذّر بعض الخبراء في شؤون الخليج بقوة، وعلى رأسهم كريستوفر ديفيدسون، من أن وقت الممالك الخليجية محدود وأن "أغلبها ستسقط خلال عامين إلى خمس أعوام". هذه التنبؤات لم تتحقق رغم أن أسباب سقوط الممالك "الحتمي" التي أحصاها الخبراء لم تختفِ. لذلك فإن لغز استقرار الممالك العربية في الخليج ما يزال قائمًا ويستلزم نقاشًا متجددًا.

منذ اندلاع الاضطرابات ركز الكثير من الخبراء على التفريق بين الجمهوريات - التي شهدت تقلبات - وبين الممالك التي ظلت مستقرة. بل لقد كان هناك كُتّاب، وسيما في الدول الخليجية، ممّن زعموا بأن ممالك الخليج مستقرة بشكل خاص، وأن التحصن الذي أبدته يضمن لها الاستقرار في المستقبل أيضًا.

سواء من نعى الممالك أو من اقتنع باستقرارها المستقبلي، يجب أن يسوقوا الأدلة على مزاعمهم. من أجل ذلك عليهم أن يفهموا بشكل معمق إمكانية حدوث تغيرات سياسية في تلك الممالك، وأن يُميزوا بين الضغوطات والتغييرات الموجودة في كل من تلك الدول على حدى.

التغيرات السياسية تحدث بشكل عام في أعقاب التغيرات في الأعراف الاجتماعية وأساليب الجمهور والمؤسسات غير الرسمية في البلد. تغييرات من هذا القبيل قد حدثت لدول الخليج؛ وسيما عقب التغيرات في مستوى التعليم ووصول المواطنين إلى المعلومات والمعرفة. رغم ان كل واحدة من الممالك تسود فيها ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة؛ إلا ان لجميعها الكثير من الأمور المشتركة، وهي مرتبطة ببعضها إلى حد كبير، هذا الارتباط قوي جدًا إلى حد أنه بات من المقبول الزعم بأن دول الخليج قوية بمستوى قوة أضعفها.

إذا ما حدث انقلاب سياسي في واحدة منها فقد تنتشر "أصداؤه" التي ستُعرّض - في نهاية الأمر - العائلة الملكية الأكثر استقرارًا للخطر.

العائلات المالكة تخشى مثل هذا الصدى، ويعرفون جيدًا التهديدات التي تحيط باستقرارهم؛ لكن وبرغم ذلك، فإن بعض هذه التهديدات عولجت بطرق غير مجدية أو لاقت تنصلًا تامًا. أحد أهداف هذا الربط تشخيص التهديدات والاطلاع على مدى خطورتها، بمعنى أن الكثير من الضغوطات التي أدت إلى سقوط أنظمة في المنطقة موجودة في الخليج أيضًا، وإن كانت تحت الأرض.

رغم أن الأنظمة الملكية تختلف عن بعضها البعض إلا أن بينها الكثير من الأمور المشتركة، الأمر الذي يفسر المصاعب التي يواجهونها في الشرق الأوسط المتغير. الفوارق الأكثر أهمية بينها هي في حجم الموارد التي تمتلكها، ومدى الدعم الخارجي الذي تحصل عليه، والمكون الديموغرافي الطائفي لمالكها، والموقع الجيوإستراتيجي خاصتها.

الثورة الشعبية التي بدأت في ديسمبر 2010 في تونس خلقت صدى أدى إلى سقوط الأنظمة الجمهورية، واحدًا تلو الآخر، بينما الممالك والامارات صمدت في مواجهة الاحتجاجات فيها (والتي كانت بحجم أصغر من الجمهوريات). اعتبر الكثيرون أن الأمر مجرد تناقض ظاهري، إذ انه ومنذ أن قامت الجمهوريات في العالم العربي كان مقبولًا أن يُعتقد بأن الملوك خاصة سيتضررون من نشاطات الحركات الثورية.

جيل الملوك الحالي في الشرق الأوسط يتضمن حكام يشجعون التطور الاقتصادي في بلدانهم؛ لكن هناك باحثون (مثل هنتنجتون) يزعمون أنهم بتشجيعهم هذا لا يعززون بالضرورة قوة حكمهم وإنما من شأنهم أن يسرعوا سقوطهم على وجه الخصوص. لم يحدث هذا الأمر إلى يومنا هذا لكن هذا لا يعني أن الممالك في الشرق الأوسط محصنة تمامًا في وجه مفعول الاضطرابات العربية.

الحجة الأساسية المطروحة هنا هي أنه ليس شكل النظام الملكي هو ما يشتري له استقراره، وإنما الممارسات التي اعتمدها: استخدام مجدٍ لعائدات النفط، وقمع فاعل للاحتجاجات، واستقطاب الدولة (استيعاب قادة المحتجين داخل المؤسسة)، والاعتماد على المساعدات الخارجية. ولكن منذ منتصف العام 2014 انخفضت أسعار النفط بوتيرة حادة؛ الأمر الذي يثير الشكوك حول قدرة الممالك على استمرار شراء الهدوء من خلال عائدات النفط.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن رأي صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر